شديد - يعني الله عزّ وجل - فما بعث الله بعده من نبيّ إلاّ في ثروة من قومه )) ، فدلّ هذا على تطوّر مسيرة الأنبياء في دعوتهم إلى الله بطريقة سننيّة، فإذا جاء تشريع جديد فهو بيّن الضّرورة، واضح السّبب.
لقد ظهر من قصّة ابني آدم أنّ النّفوس البشريّة لا ترتدع بالكلمة، ولنقل إن الكثير منها لا ترتدع بالكلمة وهو الأصل في النّفوس، وأنّه لا بدّ أن يشارك الكلمة الحسنة التي تقنع العقل بالصّواب عصًا تردع النّفس الرّاغبة في الشّر، لأنّ الإنسان قد يقتنع بالحقّ ويعلمه ويدركه، ولكن يمنعه من اتّباعه هوى النّفس وشهواتها، فلا بدّ من علاج القسمين: الفكر والنّفس، فالفكر يعالج بالموعظة والذّكرى والمجادلة، والنّفس ترتدع بالعصا والسّيف، والرّهبة من العقاب، وهذا هو الصّواب في التّربية كما أمر صلى الله عليه وسلم راعي البيت أن يعلّق العصا في بيته ليراها أهله تخويفًا لهم من ارتكاب المخالفات، وتجربة ابن آدم الأوّل كشفت لنا هذا الأمر، فهذا أخ شقيق (وجود العاطفة النّسبيّة الصّلبيّة) تدفعه نفسه إلى قتل أخيه رغبة في الشّهوة النّفسيّة، فيعظه أخوه {إنّي أخاف الله} ويخوّفه العقاب {فتكون من أصحاب النّار} ، ولكنّ هذه الشّهوة أعمته عن العاطفة الأخويّة، وعن الموعظة العقليّة وعن رؤية العقاب الآجل، فقتله {فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله} ثمّ ذهب بعد ذلك نادمًا {فأصبح من النّادمين} ، لكنّ المعصية قد وقعت وقتل ابن آدم الصّالح. فهل تشريع ابن آدم الأوّل نفع في منع وقوع المعصية؟ أبدًا لم ينفع. إذن لا بدّ من تشريع يمنع من وقوع المعصية.
كلمات الله التّشريعيّة، والعاطفة الجبلّيّة موانع ولكنّها ليست كافية، فجاء التّشريع الأخير، الخاتم لكلّ تشريع وفيه الحقّ المطلق بردع العاصي عن معصيته {وإمّا تخافنّ من قوم خيانةً فانبذ إليهم على سواء} و {فشرّد بهم من خلفهم} و {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان} و {وما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض} و {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} و {واغلظ عليهم} و {وليجدوا فيكم غلظة} و"قد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات"، (9) حتّى وصل الأمر أن ترتعد فرائص الأعداء بمجرّد سماع اسم المسلمين، وهذا تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: (( نصرت بالرّعب ) )، لأنّ المسلمين هم قوم يتقرّبون إلى الله بذبح أعداء الله، فالذّبح سجيّتهم، وبه يكون العالم سالمًا من المعاصي والذّنوب إلاّ فيما قدّر الله سبحانه وتعالى.
فشريعة محمّد صلى الله عليه وسلم هي التي تمنع وقوع المعاصي واستفحالها:
-رجل سرق تقطع يده، فصاحب شهوة السّرقة سيتحسّس يده ألف مرّة قبل أن يمدّ يده إلى دراهم غيره ..
-رجل يزني يرجم أو يجلد، فصاحب الشّهوة ستموت شهوة الجنس عنده بمجرّد تذكّره حرّ الحجارة أو ألم السّياط أو ذهاب سمعته بين النّاس ..
-رجل يريد أن يرتدّ سيجفّ حلقه خوفًا قبل أن يستطرد ذهنه مع هذا الهاجس الشّيطانيّ.