من خلال تجربة النبي السابق، لتظهر حكمة الله تعالى في التشريع الجديد، وليشعر النبي وأتباعه أن هذا الفارق كان له ما يبرره من حكمة الله تعالى، وهذا كله من رحمة الله تعالى بعباده.
لقد كان سبحانه قادرا {لا يسأل عما يفعل} أن يقيم هذه الحياة في أسس وجودها القائمة على الصراع بين إرادة الله سبحانه وتعالى وبين إرادة الشيطان، إرادة الله تعالى التي تقدم للناس الحق، وتجزي على الخير الأجور المضاعفة، وبين إرادة الشيطان التي تقدم للناس الباطل، وتجزي أتباعها يوم القيامة {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} وقوله لهم: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} وغيرها من عبارات البراءة والإبعاد، لقد كان الله قادرا أن يقيم هذه الحياة على هذا الصراع من غير المقدمة التي تمت في السماء والتي تبرر هذا الصراع على الإنسان، لكن الله سبحانه وتعالى حكيم ورحيم بعباده، فإنه قدم لهم هذا الصراع مع مقدمة كونية حقيقية لتكون أدعى لقبولهم وأرجى لاستجابتهم، فسبحانه في علاه يدعوهم إلى الحق بكل الصور التي تدفعهم للقبول والرضا، إذ سبحانه لا يشرع لعباده من أمر إلا ويقطع لهم من الحقائق الكونية التي تثبت لنفوس البشر التواقة للمعرفة أن ما قاله وشرعه موافق لما خلقه وأبدعه، {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّه الحقّ} وهذا قد حدث مع حركة الأنبياء وسيرتهم مع أقوامهم، فما من نبيّ إلاّ وقد أغنى النّبيّ القادم بعده بتجربة يتواصل معها القادم ليعطي ثمرة أن يكون أكثر ونتيجة أعظم، ولذلك فليس من الغريب أكثر الأنبياء أتباعًا هم آخر الأنبياء، موسى وعيسى ومحمّد عليهم الصّلاة والسّلام، وعدد أتباعهم كثرة على التّوالي، وأكثرهم تابعًا هو محمّد صلى الله عليه وسلم، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله تعالى كما دعا نوح عليه السّلام مدّة ثلاثة عشر سنة في مكّة فلم يستجب له إلاّ القليل كما قال عن نوح {وما آمن معه إلاّ قليل} . ومحمّد عليه السّلام في دعوته على منهج نوح لم يستجب له إلاّ القليل، فشرع لهم طريقًا آخر في الدّعوة وهو اجتماع كلمة الحقّ مع القوّة والسّيف، فبهذه الطّريق دخل النّاس في دين الله تعالى أفواجًا، هكذا ينبغي أن نفهم قصص الأنبياء في القرآن، وهي صورة المقارنة بين طريقة الأوائل وطريقة محمّد صلى الله عليه وسلم ليعلّم أتباعه أنّهم هم الأقوى طريقًا والأسلم منهجًا، فلا يحيدون عنه لأنّهم يرون نتائج الطّرائق الأولى ونتائج طريقة المتأخّر، وللتّدليل على هذا الذي قدّمتُ أذكر هذا الأمر وهو أنّ لوطا عليه السّلام في صراعه مع قومه تمنّى أن يكون معه شيء آخر في دعوته إلى الله غير الكلمة الحسنة في مجابهته لقومه الكافرين، قال لوط عليه السّلام: {لو أنّ لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد} هذه العبارة التي قالها لوط تحمل معها الدّعاء والرّجاء، إذ يتمنّى أن تكون معه قوّة لتساعده في الدّعوة لأنّه اكتشف أنّه لا بدّ أن يكون مع الكلمة قوّة يقاتل بها وركن شديد يؤوى إليه، فهذه تجربة نبويّة لا بدّ أن يستثمرها النّبيّ اللاحق وذلك بتشريع ربّانيّ. فكان الذي بعده لا بدّ له من ركن شديد يأوي إليه، قال صلى الله عليه وسلم بعد أن قرأ الآيات السّابقة {لو أنّ لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد} قال: (( رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن