هكذا تنقلب الأوامر الشرعية إلى تأويلات جديدة تشابه تأويلات الباطنية.
رجلان قد اختلفا: رجل يخاف الله فترده الكلمة والموعظة، ورجل لا يخاف الله فوعظ وخوف بالله تعالى فلم يرتدع، فلا بد من ردعه ورده حتى لا يتمادى في غيه وظلمه، إذن لا بد من شيء آخر غير كلمات الله التشريعية، وهي كلمات التكوينية، فتطور التشريع ليوافق الحق المطلق، وهو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا جانب الافتراق.
قصة ابني آدم عليه السلام ككل القصص القرآني فيها من العبر والعظات التي تؤكد حكمة الرب سبحانه وتعالى، وتؤكد الحق المطلق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قلنا إن في قصة آدم جانبا يفترق عن شريعة الإسلام، وهو جانب كف اليد عن المعتدي إذا أرادك بسوء وظلم، وقد نستطيع القول إن هذا الجانب كذلك لا يفترق عن شريعة الإسلام، وهو كف اليد عن المسلمين حتى لو أرادوك بظلم وشر، وأن تكن كما قال صلى الله عليه وسلم: (كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل) ، وهذا قطعا وجزما هو مع المسلمين من بني عقيدتك ودينك، فالحديث الأول يذكر في زمن الفتن الواقعة بين المسلمين، وكذلك الحديث الثاني، أما مع غير المسلمين فلا بد من استحضار قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يجتمع كافر وقاتله في النار ) )وهو حديث فيه الترغيب في قتل الكافر، فكلما قتل المسلم من الكافرين كلما باعد الله بينه وبين جهنم، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتنافسون في قتل أعداء الله تعالى كما في قصة ابني عفراء مع أبي جهل، فهما جانبان يحضران في نفس المسلم في الوقت ذاته {أعزة على الكافرين} {أذلة على المؤمنين} لكن لو قلنا أن شريعة ابن آدم الأول كانت تمنع بسط اليد إلى أي أحد كائنا من كان فما هو وجه ذكرها في القرآن؟ ولماذا تذكر بعض الجوانب في قصص الأنبياء في القرآن الكريم مما لا تلتقي مع شريعة الإسلام؟ فما هي الحكمة في ذلك؟.
إن المقارنة بين الشريعتين شريعة الأوائل وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم - مهمة من مهمات القرآن الكريم، لأن فيها من الله تعالى على عباده في أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه لم يشرع لهم إلا الأفضل، ولم يعطهم إلا خير ما عنده سبحانه وتعالى في علاه، فالأوائل استؤمنوا على كتبهم فخانوها وبدلوها، فدل هذا التبديل والتحريف أن الناس لن يكونوا أوفياء لكتبهم، فمن الله تعالى على هذه الأمة بأن نزع منها حق الحفاظ على الكتاب وألزم الرب جل في علاه نفسه بأن يحفظه {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وكان الأوائل يقتلون أنبياءهم، فعصم الله نبي هذه الأمة من أعدائه {والله يعصمك من الناس} ومسيرة الأنبياء مع أقوامهم دلت على أن كل نبي أتى إنما أعطاه الله سبحانه وتعالى ما ظهر لمن قبله أنه محتاج إليه، ولو تفرغ بعض طلبة العلم ليرى تطور منهج الأنبياء في الدعوة لرأى العجب العجاب، ومع أن هذا التطور شرعي ورباني، أي أنه وضع إلهي، ولكن مع توقيفه إلا أن الله سبحانه وتعالى يعلم عباده فوائد ما فرض عليهم من تطور جديد