فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 169

إلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَاخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ , ثُمَّ إنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ , وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يَقُولُونَ , فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ , لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ. وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عُمَرَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَرْفُوعًا {يُوشِكُ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ تَهْلَكَ إلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ , رَجُلٌ أَنْكَرَ بِيَدِهِ وَبِلِسَانِهِ وَبِقَلْبِهِ , فَإِنْ جَبُنَ بِيَدِهِ فَبِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ , فَإِنْ جَبُنَ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَبِقَلْبِهِ} . وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَرْفُوعًا {سَتَكُونُ بَعْدِي فِتَنٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُؤْمِنُ فِيهَا أَنْ يُغَيِّرَ بِيَدٍ وَلَا بِلِسَانٍ. قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ يُنْكِرُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ. قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يُنْقِصُ ذَلِكَ إيمَانَهُمْ شَيْئًا؟ قَالَ لَا إلَّا كَمَا يُنْقِصُ الْقَطْرُ مِنْ الصَّفَا} وَخَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا. فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ وَنَحْوُهَا دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ , وَأَنَّ الْإِنْكَارَ بِالْقَلْبِ لَا بُدَّ مِنْهُ , فَمَنْ لَمْ يُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ دَلَّ عَلَى ذَهَابِ الْإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ , وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ"إنَّ أَوَّلَ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ , ثُمَّ الْجِهَادُ بِأَلْسِنَتِكُمْ , ثُمَّ الْجِهَادُ بِقُلُوبِكُمْ , فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَلْبُهُ الْمَعْرُوفَ وَيُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ نُكِسَ فَجَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ. وَسَمِعَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه رَجُلًا يَقُولُ هَلَكَ مَنْ لَمْ يَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ. يُشِيرُ إلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ , فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ هَلَكَ. وَأَمَّا الْإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ الْعُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {إذَا عُمِلَتْ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا , وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا} . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: فَمَنْ شَهِدَ الْخَطِيئَةَ فَكَرِهَهَا بِقَلْبِهِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا إذَا عَجَزَ عَنْ إنْكَارِهَا بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ , وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا وَقَدَرَ عَلَى إنْكَارِهَا وَلَمْ يُنْكِرْهَا , لِأَنَّ الرِّضَا بِالْخَطَايَا مِنْ أَقْبَحِ الْمُحَرَّمَاتِ وَيَفُوتُ بِهِ إنْكَارُ الْخَطِيئَةِ بِالْقَلْبِ وَهُوَ مَرَضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ. فَأَفْهَمَنَا كَلَامُهُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِي عَلَى مَا أَسْلَفْنَا بِأَنَّ مُرَادَهُمْ الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ اللَّذَيْنِ يَحْصُلُ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا , وَأَمَّا الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ فَفَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. وَهَذِهِ فَائِدَةٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ {مَنْ حَضَرَ مَعْصِيَةً فَكَرِهَهَا فَكَأَنَّهُ غَابَ عَنْهَا , وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَأَحَبَّهَا فَكَأَنَّهُ حَضَرَهَا} وَهَذَا مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ الْحَافِظُ: فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْإِنْكَارَ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ حَالٍ. فَهَذَا صَرِيحٌ مِنْهُ بِمَا فَهِمْنَاهُ مِنْ كَلَامِهِ , وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ الْعَالَمِ إنْكَارُ مَا يُغْضِبُ الْجَبَّارَ جَلَّ شَانُهُ وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْت الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ. فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ يَا رَبِّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت