فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 169

فكما أمر الله تعالى نبيّه بالاقتداء في الأنبياء كما قال تعالى {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] فكذلك أمر الله أمّة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم أن تقتدي به، فأسرع الناسُ في التسابق في أخذ ميراثه وإقامته في أنفسهم وفي الناس.

فمن أقبل على دين الله يريده ويبتغيه علّموه وفقّهوه كما قال عليه الصلاة والسلام: نضّر الله امرءً سمع مقالتي فوعاها وأدّاها كما سمعها [رواه الترمذي وغيره] ، ومن أعرض عنه قاتلوه حتّى يخضع لحكم الله تعالى، كما قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} [التوبة: 29] .

وهكذا كان دور أتباع محمّد، وهذا كان عملهم، هداية الخلق إلى الحقّ وتقويم من أعرض وتعدّى، لا عمل لهم في حقيقة الأمر إلاّ هذا، فلمّا توفيّ رسول الله انتشر الصحابة في الآفاق فخرج جيش أسامة لقتال الروم، وخرجت جموع الصحابة لقتال من ارتدّ من العرب عن الإسلام، ثمَّ حملوا هذا الدين للتابعين ثمّ جيلًا بعد جيل. قال عليه الصلاة والسلام: يحمل هذا العلم من كلّ خَلَفٍ عُدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين [رواه جماعة من الصحابة وصحّحه الإمام أحمد وابن القيّم] ، فكان مداد العلماء ودماء الشهداء هما أحبّ ما يتقرّب به إلى الله تعالى، مداد العلماء لهداية الخلق وتعليمهم السنّة وكشف البدعة ونشر الحقّ، ودماء الشهداء من أجل نشر التنزيل وحفظ التأويل، وكلّما أظهر الناس بدعة قام لها العلماء حقّ القيام فأزالوا عنها زيفها ونفّروا الناس منها، وكلما جهل الناس سنّة أظهروها وعلّموها الأمّة، وكلّما خرج عن هذه الأمّة من داخلها من يريد لها شرًّا أو جاء من خارجها ليستبيح بيضتها قاموا له بالسيف حتّى يكسروا له قرنه ويردّوه على عقبيه ويدخلوه حجره.

كذا فعل الصدّيق مع المرتدّين، وكذا فعل عليّ بن أبي طالب مع الخوارج إذ أرسل لهم عبد الله بن عبّاس فناظرهم حتى ردّ أكثرهم ثمّ قاتلهم حتّى قتل منهم مقتلةً عظيمة، وهكذا فعل عمر بن عبد العزيز معهم، وقد كتب الله تعالى بقاء طائفة منصورة قائمة بالحقّ والهدى وحاملةً للسيف والسنان إلى قيام الساعة.

قال عليه الصلاة والسلام: لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم عليه السلام، فيقول إمامهم: تعالى صلّ لنا، فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمّة. رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله، وفيه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله: لا تزال عصابة من أمّتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوّهم، لا يضرّهم من خالفهم حتّى تأتي الساعة وهم على ذلك.

وهؤلاء في كلّ وقت غرباء. وروى الترمذي في سننه وقال: حسن صحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنّ الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنّتي. وفي رواية أخرى عند غيره قال عنهم: الفرّارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى عليه السلام، وفي رواية: ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممّن يطيعهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت