عَدُوٍّ نَيْلا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ، وأما غيرهم فتعبهم وبال عليهم كما قال تعالى: {عاملة ناصبة تصلى نارا حامية} ، وكما قال تعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} الأنفال، فالابتلاء ظاهرة في مسيرة الدعوات لأن وجود الأعداء من مظاهر نصرة الله لأوليائه، قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} الأنعام، ومظهر من مظاهر اسم الله تعالى: المنتقم. واختلاف الناس سنة كونية، وكذلك تدافعهم ليتحقق لكل واحد أهدافه التي يسعى إليها، والمعادلة بين الطرفين بحصول النصر والهزيمة مبسوطة في القرآن، وما من أمر إلهي إلا وهو عامل من عو امل النصر، وما من مخالفة للشريعة إلا عامل من عوامل الهزيمة.
والسجن إحدى مظاهر الابتلاء، وصورة من صور العذاب التي يهدد بما كل طرف الآخر، كما قال فرعون مهددا موسى عليه السلام: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} الشعراء. وقد كان إحدى اختيارات قريش في عذابها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} الأنفال. لأن السجن صورة من صور العذاب النفسي والبدني، فهو تقييد لإرادة الإنسان، ومانع له من ممارسة مدنيته وإنسانيته، ثم هو بالنسبة للداعي أشق وأتعب لأنه يفصل بين الداعي والمحيط الذي يحتاجه لدعوته، فعمل الداعي هو النور في الناس، وتعليمهم الخير، وكسب أتباع لدعوته، وترقية لأفراد دعوته في الطريق، فالسجن حرمان من هذا كله، إذ أنه يعزل الداعي عن محيطه ليمنعه من التأثير والكسب.
وفي هذه الغربة المعاصرة حيث بدأ الدعاة يدعون إلى الله، وتمت سنة المدافعة بين فريق الحق وفريق الباطل، وملأ الطاغوت السجون بالدعاة، وتكررت صور الابتلاء وإلى الآن، كانت التجربة الأولى أن دخلت مجموعات السجون، فماذا صنع فيهم السجن؟.
كان السحن وعاء تشكل لونه بلون الداخل فيه، فبعضهم انتكس ووقع، وهؤلاء على الأغلب قلة لا يؤبه بها، ولكن الأغلب خرج من السحن وهو يحمل ذكريات الألم والعذاب، وخرج ليكتب للناس مذكرات كربلائية مليئة بالبكاء والنواح حاول كل واصف فيها أن يستدر عواطف القراء نحوه، وأن يكسب شفقتهم عليه، وقد وجد أدب داخل المكتبة الإسلامية يمثل هذا النوع من الفنون، من البكاء والنواح الكربلائي، وكان القصد من هذا هو تعليق النياشين (الأوسمة) على الصدور بأن هذا قد عذب وضرب، ولم يخرج من الآن من هذا الصف المبتلى دراسة أو دراسات تكون زادا للجيل القادم من هذه التجربة، فالسجن بلاء: إما أن يكسر، أو يعصر، أو يثمر فيخرج صاحبه منه منقى من كل الشوائب، شوائب الأفكار، وشوائب النفس، فتترقى مدارك المرء، وتنصقل نفسه في تطورها وتربيتها، فالممتحن لا يمدح إلا بمقدار استفادة المرء منه، لا من حيث هو في نفسه ممدوحا مرغوبا، فقد ينتكس المرء فيه، وقد يخرج منه كما دخل جهلا وعماء وسوء خلق، وقد يرتقي فيه، وكل هذا بحسب المرء ونظره إلى ما تمر به الحياة من