وقوله {بالحق} أي على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب, ولا وهم ولا تبديل, ولا زيادة ولا نقصان, كقوله تعالى: {إن هذا لهو القصص الحق} . وقوله تعالى: {نحن نقص عيك نبأهم بالحق} وقال {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق} , وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف, أن الله تعالى: شرع لاَدم عليه السلام, أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال, ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى, فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الاَخر, وكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة, فأراد أن يستأثر بها على أخيه, فأبى آدم ذلك, إلا أن يقربا قربانًا, فمن تقبل منه فهي له, فتقبّل من هابيل ولم يتقبل من قابيل, فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه.
وروى العوفي عن ابن عباس قال: من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان, إذ قالا لو قربنا قربانًا, وكان الرجل إذا قرب قربانًا فرضيه الله أرسل إليه نارًا فتأكله, وإن لم يكن رضيه الله خبت النار, فقربا قربانًا, وكان أحدهما راعيًا وكان الاَخر حراثًا, وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها, وقرب الاَخر بعض زرعه, فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع, وإن ابن آدم قال لأخيه أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانًا فتقبل منك ورد علي, فلا والله لا ينظر الناس إليّ وأنت خير مني فقال: لأقتلنك, فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير فهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لا عن سبب ولا عن تدارؤ في امرأة كما تقدم عن جماعة ممن تقدم ذكرهم وهو ظاهر القرآن {إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الاَخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين} فالسياق يقتضي أنه إنما غضب عليه وحسده بقبول قربانه دونه, ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل وأن الذي قرب الطعام هو قابيل وأنه تقبل من هابيل شاته, حتى قال ابن عباس وغيره إنها الكبش الذي فدي به الذبيح وهو مناسب, والله أعلم, ولم يتقبل من قابيل, كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور عن مجاهد أيضًا, ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال الذي قرب الزرع قابيل وهو المتقبل منه, وهذا خلاف المشهور ولعله لم يحفظ عنه جيدًا, والله أعلم.
ومعنى قوله {إنما يتقبل الله من المتقين} أي ممن اتقى الله في فعله ذلك, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زيد, حدثنا إسماعيل بن عياش, حدثني صفوان بن عمرو عن تميم يعني ابن مالك المقري, قال: سمعت أبا الدرداء يقول: لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة أحب إليّ من الدنيا وما فيها إن الله يقول {إنما يتقبل الله من المتقين} . وحدثنا أبي, حدثنا عبد الله بن عمران حدثنا إسحاق بن سليمان يعني الرازي عن المغيرة بن مسلم, عن ميمون بن أبي حمزة, قال: كنت جالسًا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى سمعته يقول: يحبس الناس في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟