الْكَسْرُ حَقِيقَةً لِيَسُدَّ عَنْ نَفْسِهِ بَابَ هَذَا الْقِتَالِ , وَقِيلَ هُوَ مَجَازٌ , وَالْمُرَادُ تَرْكُ الْقِتَالِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ"وَاضْرِبُوا بِسُيُوفِكُمْ الْحِجَارَةَ"قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ قَوْلُهُ: (الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ. . . إلَخْ) مَعْنَاهُ بَيَانُ خَطَرِ الْفِتْنَةِ وَالْحَثُّ عَلَى تَجَنُّبِهَا وَالْهَرَبُ مِنْهَا وَمِنْ التَّسَبُّبِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِهَا , فَإِنَّ شَرَّهَا وَفِتْنَتَهَا يَكُونُ عَلَى حَسَبِ التَّعَلُّقِ بِهَا قَوْلُهُ: (كُنْ كَابْنِ آدَمَ) يَعْنِي: الَّذِي قَالَ لِأَخِيهِ لَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ {لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأَقْتُلكَ} كَمَا حَكَى اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَرْكِ الْمُقَاتَلَةِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الْمُدَافَعَةِ عَنْ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ , فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقَاتِلُ فِي فِتَنِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْتَهُ وَطَلَبُوا قَتْلَهُ , وَلَا تَجُوزُ لَهُ الْمُدَافَعَةُ عَنْ نَفْسِهِ , ; لِأَنَّ الطَّالِبَ مُتَأَوِّلٌ , وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرَةَ الصَّحَابِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَغَيْرُهُمَا: لَا يَدْخُلُ فِيهَا لَكِنْ إنْ قُصِدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ: فَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ فِي جَمِيعِ فِتَنِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةُ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْ الْمُقَاتَلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْزَمَ بَيْتَهُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَوُّلُ عَنْ بَلَدِ الْفِتْنَةِ أَصْلًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتْرُكُ الْمُقَاتَلَةَ حَتَّى لَوْ أَرَادَ قَتْلَهُ لَمْ يَدْفَعْهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَالِهِ وَعَنْ أَهْلِهِ , وَهُوَ مَعْذُورٌ إنْ قَتَلَ أَوْ قُتِلَ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى وُجُوبِ نَصْرِ الْحَقِّ وَقِتَالِ الْبَاغِينَ , وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَزَادَ أَنَّهُ مَذْهَبُ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ} قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ , وَتُتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْمُحِقُّ , أَوْ عَلَى طَائِفَتَيْنِ ظَالِمَتَيْنِ لَا تَاوِيلَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَالَ: وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَادُ وَاسْتَطَالَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْمُبْطِلُونَ ا هـ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِالتَّفْصِيلِ , وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْقِتَالُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ لَا إمَامَ لَهُمْ فَالْقِتَالُ مَمْنُوعٌ يَوْمَئِذٍ , وَتُنَزَّلُ الْأَحَادِيثُ عَلَى هَذَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إنْكَارُ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَمَنْ أَعَانَ الْمُحِقَّ أَصَابَ وَمَنْ أَعَانَ الْمُخْطِئَ أَخْطَأَ , وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْقِتَالِ فِيهَا وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي حَقِّ نَاسٍ مَخْصُوصِينَ , وَأَنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ وَقِيلَ: إنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَيْثُ يَحْصُلُ التَّحَقُّقُ أَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إنَّمَا هِيَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ , وَقَدْ أَتَى هَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ , فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ وَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ: وَمَتَى ذَلِكَ يَا ابْنَ مَسْعُودٍ؟ فَقَالَ: تِلْكَ أَيَّامُ الْهَرْجِ وَهُوَ حَيْثُ لَا يَامَنُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ , وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ , وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ , وَسَيَاتِي لِلْمَقَامِ زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي تَوْبَةِ الْقَاتِلِ مِنْ كِتَابِ الْقِصَاصِ