فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 169

قال الله ـ تعالى ـ فيهم: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] . وقد روي الشافعي ـ رحمه الله ـ في مسنده عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في قطاع الطريق: (إذا قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا، نفوا من الأرض) .

وهذا قول كثير من أهل العلم، كالشافعي وأحمد، وهو قريب من قول أبي حنيفة ـ رحمه الله. ومنهم من قال: للإمام أن يجتهد فيهم، فيقتل من رأي قتله مصلحة، وإن كان لم يقتل مثل أن يكون رئيسًا مطاعا فيها، ويقطع من رأي قطعه مصلحة، وإن كان لم يأخذ المال، مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال، كما أن منهم من يري أنهم إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا. والأول قول الأكثر. فمن كان من المحاربين قد قتل، فإنه يقتله الإمام حدا، لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء. ذكره ابن المنذر، ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول، بخلاف ما لو قتل رجل رجلا لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو /ذلك من الأسباب الخاصة، فإن هذا دمه لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية؛ لأنه قتله لغرض خاص.

وأما المحاربون، فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس، فضررهم عام، بمنزلة السراق، فكان قتلهم حدًا لله. وهذا متفق عليه بين الفقهاء، حتى لو كان المقتول غير مكافئ للقاتل، مثل أن يكون القاتل حرًا والمقتول عبدًا، أو القاتل مسلمًا، والمقتول ذميًا أو مستأمنا، فقد اختلف الفقهاء: هل يقتل في المحاربة؟ والأقوي أنه يقتل؛ لأنه قتل للفساد العام حدًا، كما يقطع إذا أخذ أموالهم، وكما يحبس بحقوقهم.

وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة، فالواحد منهم باشر القتل بنفسه، والباقون له أعوان وردء له، فقد قيل: إنه يقتل المباشر فقط، والجمهور على أن الجميع يقتلون، ولو كانوا مائة، وإن الردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين؛ فإن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قتل ربيئة المحاربين. والربيئة: هو الناظر الذي يجلس على مكان عال، ينظر منه لهم من يجيء. ولأن المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته.

والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين، فهم مشتركون في الثواب والعقاب، كالمجاهدين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم /قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعي بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ويرد متسريهم على قعدهم) . يعني أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية فغنمت مالا، فإن الجيش يشاركها فيما غنمت؛ لأنها بظهره وقوته تمكنت، لكن تنفل عنه نفلا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل السرية إذا كانوا في بدايتهم الربع بعد الخمس، فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرت سرية نفلهم الثلث بعد الخمس، وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية؛ لأنها في مصلحة الجيش، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة والزبير يوم بدر؛ لأنه كان قد بعثهما في مصلحة الجيش، فأعوان الطائفة الممتنعة، وأنصارها منها، فيما لهم وعليهم.

وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه، مثل المقتتلين على عصبية، ودعوي جاهلية، كقيس ويمن ونحوهما هما ظالمتان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا التقي المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار) . قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: (إنه أراد قتل صاحبه) . أخرجاه في الصحيحين. وتضمن كل طائفة ما أتلفته للأخري من نفس ومال. وإن لم يعرف عين القاتل؛ لأن الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد، وفي ذلك قوله تعالى: {كُتِبَ عليكم الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَي} [البقرة: 178] .

/وأما إذا أخذوا المال فقط، ولم يقتلوا ـ كما قد يفعله الأعراب كثيرا ـ فإنه يقطع من كل واحد يده إلىمني، ورجله إلىسري، عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم. وهذا معني قول الله تعالى: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ} [المائدة: 33] ، تقطع إلىد التي يبطش بها، والرجل التي يمشي عليها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت