فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 169

فالصواب الذي عليه جماهير المسلمين: أن من قاتل على أخذ المال بأي نوع كان من أنواع القتال، فهو محارب قاطع، كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع، كان من أنواع القتال فهو حربي، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف، أو رمح، أو سهم، أو حجارة أو عصي، فهو مجاهد في سبيل الله. وأما إذا كان يقتل النفوس سرا، لأخذ المال، مثل الذي يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل، فإذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم، أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة، أو طب أو نحو ذلك فيقتله، ويأخذ ماله، وهذا يسمي القتل غيلة، ويسميهم بعض العامة المعرجين، فإذا كان لأخذ المال، فهل هم كالمحاربين، أو يجري عليهم حكم القود؟ فيه قولان للفقهاء:

أحدهما: أنهم كالمحاربين؛ لأن القتل بالغيلة كالقتل مكابرة، كلاهما لا يمكن الاحتراز منه، بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنه لا / يدري به.

والثاني: أن المحارب هو المجاهر بالقتال، وأن هذا المغتال يكون أمره إلى ولي الدم. والأول أشبه بأصول الشريعة، بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنه لا يدري به.

واختلف الفقهاء ـ أيضا ـ فيمن يقتل السلطان، كقتلة عثمان، وقاتل على ـ رضي الله عنهما ـ هل هم كالمحاربين، فيقتلون حدا، أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره؛ لأن في قتله فسادًا عامًا.

فصل

وهذا كله إذا قدر عليهم. فأما إذا طلبهم السلطان أو نوابه؛ لإقامة الحد بلا عدوان فامتنعوا عليه، فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء، حتى يقدر عليهم كلهم. ومتى لم ينقادوا إلا بقتال يفضي إلى قتلهم كلهم، قوتلوا. وإن أفضي إلى ذلك، سواء كانوا قد قتلوا أو لم يقتلوا. ويقتلون في القتال كيفما أمكن في العنق وغيره. ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويعينهم، فهذا قتال، وذاك إقامة حد. وقتال هؤلاء أوكد من قتل الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام. /فإن هؤلاء قد تحزبوا لفساد النفوس والأموال، وهلاك الحرث والنسل، ليس مقصودهم إقامة دين ولا ملك.

وهؤلاء كالمحاربين الذين يأوون إلى حصن، أو مغارة أو رأس جبل، أو بطن واد، ونحو ذلك، يقطعون الطريق على من مر بهم، وإذا جاءهم جند ولي الأمر يطلبهم للدخول في طاعة المسلمين والجماعة لإقامة الحدود، قاتلوهم ودفعوهم، مثل الأعراب الذين يقطعون الطريق على الحاج أو غيره من الطرقات، أو الجبلية الذين يعتصمون برؤوس الجبال أو المغارات لقطع الطريق. وكالأحلاف الذين تحالفوا لقطع الطريق بين الشام والعراق، ويسمون ذلك [النهيضة] ، فإنهم يقاتلون ـ كما ذكرنا ـ لكن قتالهم ليس بمنزلة قتال الكفار، إذا لم يكونوا كفارا، ولا تؤخذ أموالهم إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق، فإن عليهم ضمانها، فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا، وإن لم نعلم عين الآخذ. وكذلك لو علم عينه، فإن الردء والمباشر سواء ـ كما قلناه ـ لكن إذا عرف عينه كان قرار الضمان عليه، ويرد ما يؤخذ منهم على أرباب الأموال، فإن تعذر الرد عليهم، كان لمصالح المسلمين من رزق الطائفة المقاتلة لهم، وغير ذلك.

بل المقصود من قتالهم التمكن منهم لإقامة الحدود، ومنعهم من الفساد. فإذا جرح الرجل منهم جرحًا مثخنًا، لم يجهز عليه حتى يموت، / إلا أن يكون قد وجب عليه القتل. وإذا هرب وكفانا شره لم نتبعه، إلا أن يكون عليه حد أو نخاف عاقبته، ومن أسر منهم، أقيم عليه الحد الذي يقام على غيره. ومن الفقهاء من يشدد فيهم حتى يري غنيمة أموالهم وتخميسها، وأكثرهم يأبون ذلك. فأما إذا تحيزوا إلى مملكة طائفة خارجة عن شريعة الإسلام، وأعانوهم على المسلمين، قوتلوا كقتالهم.

وأما من كان لا يقطع الطريق، ولكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرؤوس، والدواب، والأحمال ونحو ذلك، فهذا مكاس، عليه عقوبة المكاسين. وقد اختلف الفقهاء في جواز قتله، وليس هو من قطاع الطريق، فإن الطريق لا ينقطع به، مع أنه أشد الناس عذابا يوم القيامة، حتى قال النبي صلى الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت