فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 169

وكلا المعنيين صحيح. والربا /آخر المحرمات في القرآن، وهو مال يؤخذ بتراضى المتعاملين. فإذا كان من لم ينته عنه محاربا لله ورسوله، فكيف بمن لم ينته عن غيره من المحرمات التى هى أسبق تحريما وأعظم تحريما؟!.

وقد استفاض عن النبى صلى الله عليه وسلم الأحاديث بقتال الخوارج، وهى متواترة عند أهل العلم بالحديث. قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وقد رواها مسلم في صحيحه، وروى البخارى منها ثلاثة أوجه: حديث على، وأبى سعيد الخدرى، وسهل ابن حنيف. وفى السنن والمسانيد طرق أخر متعددة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في صفتهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) .

وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب بمن معه من الصحابة، واتفق على قتالهم سلف الأمة وأئمتها، لم يتنازعوا في قتالهم كما تنازعوا في القتال يوم الجمل وصفين. فإن الصحابة كانوا في قتال الفتنة ثلاثة أصناف: قوم قاتلوا مع على ـ رضي الله عنه. وقوم قاتلوا مع من قاتله. وقوم قعدوا عن القتال لم يقاتلوا الواحدة من الطائفتين. وأما الخوارج /فلم يكن فيهم أحد من الصحابة، ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة وفى الصحيح عن أبى سعيد، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) . وفى لفظ: (أدنى الطائفتين إلى الحق) . فبهذا الحديث الصحيح ثبت أن عليا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن تلك المارقة التى مرقت من الإسلام ليس حكمها حكم إحدى الطائفتين، بل أمر النبى صلى الله عليه وسلم بقتال هذه المارقة، وأكد الأمر بقتالها، ولم يأمر بقتال إحدى الطائفتين كما أمر بقتال هذه، بل قد ثبت عنه في الصحيح من حديث أبى بكرة أنه قال للحسن: (إن ابنى هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين) ، فمدح الحسن وأثنى عليه بما أصلح الله به بين الطائفتين حين ترك القتال، وقد بويع له واختار الأصلح، وحقن الدماء مع نزوله عن الأمر. فلو كان القتال مأمورًا به لم يمدح الحسن ويثنى عليه بترك ما أمر الله به وفعل ما نهى الله عنه.

والعلماء لهم في قتال من يستحق القتال من أهل القبلة طريقان:

منهم من يرى قتال علىٍّ يوم حروراء ويوم الجمل وصفين كله من باب قتال أهل البغى، وكذلك يجعل قتال أبى بكر لمانعى الزكاة، وكذلك قتال سائر من قوتل من المنتسبين إلى القبلة، كما ذكر ذلك من ذكره /من أصحاب أبى حنيفة والشافعى ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم. وهم متفقون على أن الصحابة ليسوا فساقا بل هم عدول؛ فقالوا: إن أهل البغى عدول مع قتالهم، وهم مخطئون خطأ المجتهدين في الفروع.

وخالفت في ذلك طائفة كابن عقيل وغيره، فذهبوا إلى تفسيق أهل البغى، وهؤلاء نظروا إلى من عدوه من أهل البغى في زمنهم فرأوهم فساقا، ولا ريب أنهم لا يدخلون الصحابة في ذلك ـ وإنما يفسق الصحابة بعض أهل الأهواء من المعتزلة ونحوهم، كما يكفرهم بعض أهل الأهواء من الخوارج والروافض، وليس ذلك من مذهب الأئمة والفقهاء أهل السنة والجماعة ـ ولا يقولون: إن أموالهم معصومة كما كانت، وما كان ثابتا بعينه رد إلى صاحبه، وما أتلف في حال القتال لم يضمن، حتى إن جمهور العلماء يقولون: لا يضمن لا هؤلاء ولا هؤلاء، كما قال الزهرى: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فأجمعوا أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر.

وهل يجوز أن يستعان بسلاحهم في حربهم إذا لم يكن إلى ذلك ضرورة؟ على وجهين: في مذهب أحمد يجوز، والمنع قول الشافعى والرخصة قول أبى حنيفة.

واختلفوا في قتل أسيرهم، واتباع مدبرهم، والتَّذْفِيف على جريحهم / إذا كان لهم فئة يلجؤون إليها. فجوز ذلك أبو حنيفة، ومنعه الشافعى، وهو المشهور في مذهب أحمد، وفى مذهبه وجه: أنه يتبع مدبرهم في أول القتال. وأما إذا لم يكن لهم فئة فلا يقتل أسير ولا يُذَفَّف على جريح، كما رواه سعيد وغيره عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت