وعلى إمام الناس في الصلاة وغيرها أن ينظر لهم، فلا يفوتهم ما يتعلق بفعله من كمال دينهم، بل على كل إمام للصلاة أن يصلى بهم صلاة كاملة ولا يقتصر على ما يجوز للمنفرد الاقتصار عليه من قدر الإجزاء إلا لعذر؛ وكذلك على إمامهم في الحج، وأميرهم في الحرب. ألا تري أن الوكيل والولي في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله؟ وهو في مال نفسه يفوت نفسه ما شاء، فأمر /الدين أهم، وقد ذكر الفقهاء هذ المعني.
ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس، صلح للطائفتين دينهم ودنياهم، وإلا اضطربت الأمور عليهم. وملاك ذلك كله صلاح النية للرعية، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه. فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] . فإن هاتين الكلمتين قد قيل: إنهما يجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرة في بعض مغازيه، فقال: (يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين) ، فجعلت الرؤوس تندر عن كواهلها، وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه، كقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليه} [هود: 123] . وقوله تعالى: {عليه تَوَكَّلْتُ وَإليه أُنِيبُبٍ} [هود: 88] ، وكان صلى الله عليه وسلم ـ إذا ذبح أضحيته ـ يقول: (اللهم منك ولك) .
وأعظم عون لولي الأمر خاصة، ولغيره عامة، ثلاثة أمور:
أحدها: الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره. وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن.
الثاني: الإحسان إلى الخلق، بالنفع والمال الذي هو الزكاة.
الثالث: الصبر على أذي الخلق وغيره من النوائب.
ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرًا، كقوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة: 45] ، وكقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَي لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 114، 115] ، وقوله تعالى: {فَاصْبِرْ على مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] ، وكذلك في سورة [ق] : {فَاصْبِرْ على مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 97، 98] .
وأما قرنه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدًا.
فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية، إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة، يدخل في الصلاة ذكر الله ـ تعالى، ودعاؤه، وتلاوة كتابه، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه. وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع: من نصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، وقضاء حاجة المحتاج. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل معروف صدقة) ، فيدخل فيه كل إحسان. ولو ببسط الوجه، والكلمة الطيبة. ففي الصحيحين عن عدي بن حاتم ـ رضي الله عنه ـ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا