أَخْرَجَ الْأَئِمَّةُ حَدِيثَهُ. (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ) : مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ بِدَلِيلِ اللَّامِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْمُخَفَّفَةِ وَالنَّافِيَةِ بَعْدَهَا وَضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، أَيْ: إِنَّهُ، كَذَا قَالَ الشُّرَّاحُ; وَلَمَّا كَانَ مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ جَوَازَ إِعْمَالِ إِنِ الْمُخَفَّفَةِ عَلَى قِلَّةٍ وَإِهْمَالِهَا عَلَى الْأَكْثَرِ، قَالَ الْعِصَامُ: إِنْ مُخَفَّفَةٌ، مُلْغَاةٌ، دَاخِلَةٌ عَلَى الْفِعْلِ، مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ الِاسْمِ، فَلَا تَظُنَّ أَنَّهُ فِي تَقْدِيرِ إِنَّهُ. (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُحِبُّ التَّيَمُّنَ) : أَيِ الِابْتِدَاءَ فِي الْأَفْعَالِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُمْنَى وَالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْمَحَبَّةِ لَهُ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَلِمَزِيَّةِ مَزِيدِ قُوَّتِهَا الْمُقْتَضِيَةِ لِزِيَادَةِ إِكْرَامِهَا بِمُوجِبِ الْعَدْلِ الْمُنَافِي لِلظُّلْمِ الَّذِي هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مَا اسْتَطَاعَ فَنَبَّهَ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ. (فِي طَهُورِهِ) : بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا، رِوَايَتَانِ مَسْمُوعَتَانِ بِمَعْنًى، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ، الْمَشْهُورُ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ، اسْمٌ لِمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، فَيُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيِ اسْتِعْمَالُهُ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِيءُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرًا أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ: (إِذَا تَطَهَّرَ) : لِيَدُلَّ عَلَى تَكْرَارِ الْمَحَبَّةِ بِتَكْرَارِ الطِّهَارَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الْآيَةَ. كَذَا قَالَ الْعِصَامُ: وَفِيهِ أَنَّ"إِذَا"فِي الْآيَةِ لِلشَّرْطِيَّةِ، وَفِي الْحَدِيثِ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: فِي وَقْتِ اشْتِغَالِهِ بِالطَّهَارَةِ، وَهُوَشَامِلٌ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِيَدَيْهِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ دُونَهُمَا أَوَّلُ الْوُضُوءِ، وَلِرِجْلَيْهِ دُونَخَدَّيْهِ وَأُذُنَيْهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَى الْبَدَنِ أَوْ غَيْرِهِ. (وَفِي تَرَجُّلِهِ) : بِضَمِّ الْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ تَمْشِيطِ شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. (إِذَا تَرَجَّلَ) : أَيْ وَقْتَ إِيجَادِ هَذَا الْفِعْلِ وَفِي مَعْنَاهُ التَّدْهِينُ. (وَفِي انْتِعَالِهِ) : أَيْ لُبْسِ نَعْلِهِ. (إِذَا انْتَعَلَ) : أَيْ وَقْتَ إِرَادَةِ لُبْسِ النَّعْلِ، وَفِيهِ احْتِزَازٌ مِنْ حَالِ الِاخْتِلَاعِ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْيَسَارِ تَشْرِيفًا لِلْيَمِينِ وَمُرَاعَاةً لِكَرَامَتِهَا أَيْضًا، وَفِي مَعْنَاهُ لُبْسُ الثَّوْبِ وَالْخُفِّ وَنَحْوِهِمَا بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ: كَالْأَخْذِ، وَالْعَطَاءِ، وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الظُّفْرِ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ، وَالِاكْتِحَالِ، وَالِاضْطِجَاعِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالِاسْتِيَاكِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَمِ وَالْيَدِ جَمِيعًا، بِخِلَافِ مَا لَا شَرَفَ فِيهِ كَخُرُوجِ الْمَسْجِدِ، وَدُخُولِ الْخَلَاءِ، وَأَخْذِ النَّعْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِالْيَسَارِ كَرَامَةٌ لِلْيَمِينِ أَيْضًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَاعِدَةُ الشَّرْعِ الْمُسْتَمِرَّةُ اسْتِحْبَابُ الْبَدَاءَةِ بِالْيَمِينِ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّزَيُّنِ وَمَا كَانَ بِضِدِّهِ فَاسْتُحِبَّ فِيهِ التَّيَاسُرُ، وَيَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَفِي طَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. وَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ، وَيُعْطِي بِيَمِينِهِ، وَيُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ مَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيُمْنَى لِطَهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَمِنْ أَذًى. قَالَ