سَمِعَهُ مِنْ ثَابِتٍ فَدَلَّسَهُ. وَمَعَ هَذَا فَقَدَ خَالَفَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ كَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَثَابِتٍ وَقَتَادَةَ، وَأَحَادِيثُهُمْ عَنْ أَنَسٍ فِي نَفْيِ الْخِضَابِ ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ وَاحِدٌ وَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلِذَا نَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَقِيبَهُ عَنْ حَمَّادٍ رَاوِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسٍ مَخْضُوبًا. إِشَارَةً إِلَى شُذُوذِ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَضَبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهِ لِيَكُونَ أَبْقَى لَهُ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي رِجَالِ مَالِكٍ، وَفِي غَرَائِبِ مَالِكٍ لَهُ أَيْضًا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ شَعَرَاتِهِ الْمُطَهَّرَةَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةِ زَوْجِ أُمِّ أَنَسٍ أَوْ عِنْدَ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَخَضَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ أَوْ أُمُّهُ كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ أَنَسٍ فَرَآهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عِنْدَهُ، أَوْ يُحْمَلُ رِوَايَةُ أَنَسٍ"كَانَ شَعْرُهُ مَخْضُوبًا"، عَلَى أَنَّهُ رَآهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيْضَاءَ. فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الشَّعَرَاتِ الْبِيضِ لَمْ تُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ حُسْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ إِنْكَارَ أَنَسٍ أَنَّهُ خَضَبَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَوَافَقَ مَالِكٌ أَنَسًا فِي إِنْكَارِ الْخِضَابِ وَتَأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَضَبَ فِي وَقْتٍ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ وَلَا تَأْوِيلُهُ، وَتَرَكَهُ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ مَا رَأَى وَهُوَ صَادِقٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ مِيرَكُ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ سَلَفًا وَخَلَفًا فِي أَنَّهُ هَلِ الْخِضَابُ أَحَبُّ أَمْ تَرْكُهُ أَوْلَى؟ فَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى الْأَوَّلِ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ:"إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ". أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَبِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ بِيضٌ لِحَاهُمْ فَقَالَ:"يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوا أَوْ صَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ; وَلِهَذَا خَضَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ، وَمَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الْخِضَابِ أَوْلَى لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا:"مَنْ شَابَ شَيْبَةً فَهِيَ لَهُ نُورٌ إِلَّا أَنْ يَنْتِفَهَا أَوْ يَخْضِبَهَا". هَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، لَكِنْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَذْكُورَ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَيْضًا وَقَالَ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ تَغَيُّرَ الشَّيْبِ; وَلِهَذَا لَمْ يَخْضِبْ عَلِيٌّ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَجَمْعٌ جَمٌّ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ. وَجَمَعَ الطَّبَرِيُّ بَيْنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَةِ عَلَى الْخَضْبِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَةِ عَلَى خِلَافِهِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِمَنْ يَكُونُ شَيْبُهُ مُسْتَبْشَعًا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْخِضَابُ، وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِهِ فَلَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ، وَلَكِنَّ الْخِضَابَ مُطْلَقًا أَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ فِي مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ