الْإِزَارُ الْكَعْبَيْنِ فَقَدْ خَالَفْتَ السُّنَّةَ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: يَجِبُ أَنْ لَا يَصِلَ الْإِزَارُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ انْتَهَى. وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ; لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُخَرَّجَ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فِي النَّارِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْبَالَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ جَائِزٌ، لَكِنْ مَا أَسْفَلَ مِنْهُ مَمْنُوعٌ; وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: الْقَدْرُ الْمُسْتَحَبُّ فِيمَا يَنْزِلُ إِلَيْهِ طَرَفُ الْإِزَارِ هُوَ نِصْفُ السَّاقِ، وَالْجَائِزُ بِلَا كَرَاهَةٍ مَا تَحْتَهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَمَا نَزَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَإِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ فَمَمْنُوعٌ مَنْعَ تَحْرِيمٍ، وَإِلَّا فَمَنْعَ تَنْزِيهٍ، فَيُحْمَلُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ هَذَا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْإِسْبَالِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ; لِئَلَّا يَنْجَرَّ إِلَى مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ عَلَى وِزَانِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ"، وَيُفْهَمَ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى أَنَّ الِاسْتِرْخَاءَ إِلَى مَا وَرَاءَ الْكَعْبَيْنِ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ فِي مَعْنَى الْإِزَارِ الْقَمِيصَ، وَسَائِرَ الْمَلْبُوسَاتِ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْإِزَارُ بِالذِّكْرِ بِنَاءً عَلَى الْقَضِيَّةِ الِاتِّفَاقِيَّةِ، أَوْ خَرَجَ الْكَلَامُمَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَإِنَّ غَالِبَ مَلْبُوسَاتِهِمْ كَانَ إِزَارًا، قَالَ مِيرَكُ: وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْإِسْبَالِ مَنْ أَسْبَلَهُ لِضَرُورَةٍ كَمَنْ يَكُونُ بِكَعْبِهِ جُرْحٌ يُؤْذِيهِ الذُّبَابُ مَثَلًا، إِنْ لَمْ يَسْتُرْهُ بِإِزَارِهِ وَثَوْبِهِ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْعِرَاقِيُّ مُسْتَدِلًّا بِإِذْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي لُبْسِ قَمِيصِ الْحَرِيرِ مِنْ أَجْلِ حَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمَا فِيهِ لَمَّا شَكَيَا إِلَيْهِ الْقَمْلَ، وَجَمَعَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْعِلَّتَيْنِ كَانَتَا بِهِمَا مَعًا، أَوْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْأُخْرَى، أَوْ أَنَّ الْحَكَّةَ نَشَأَتْ عَنِ الْقَمْلِ فَنُسِبَتِ الْعِلَّةُ تَارَةً لِلسَّبَبِ، وَتَارَةً لِلْمُسَبِّبِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا جَوَازُ تَعَاطِي مَا نُهِيَ عَنْهُمَا شَرْعًا لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، كَمَا يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِلتَّدَاوِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْإِسْبَالِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، لِمَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا سَمِعَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَعِيدَ فِي حَقِّ مُسْبِلِ الْإِزَارِ، قَالَتْ: كَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ، فَقَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ، فَالْمَقْصُودُ حُصُولُ السَّتْرِ وَالْمُجَاوَزَةُ عَنِ الْحَدِّ مَمْنُوعٌ، إِمَّا كَرَاهَةً أَوْ تَحْرِيمًا، فَإِذَا لَبِسَتِ الْمَرْأَةُ خُفًّا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّجَاوُزُ عَنِ الْقَدَمِ فِي حَقِّهِنَّ، وَكَذَا جَوَازُ الْإِرْخَاءِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ ثَوْبٍ وَاحِدٍ لِلتَّسَتُّرِ، فَلَا يَتَعَدَّى إِلَى جَمِيعِ الثِّيَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قَالَ مِيرَكُ: ظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ تَحْرِيمَ إِسْبَالِ الْإِزَارِ مَخْصُوصٌ بِالْجَرِّ; لِأَجْلِ الْخُيَلَاءِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا، لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءً، وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا، وَالْبَطَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: التَّكَبُّرُ وَالطُّغْيَانُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُعْلَمُ مِنْ بَعْضِ الْأَخْبَارِ تَحْرِيمُ الْإِسْبَالِ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ أَيْضًا، كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبُخَارِيِّ مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ، لَكِنْ يُسْتَدَلُّ بِالتَّقْيِيدِ فِي حَدِيثِهِ وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِالْخُيَلَاءِ وَالْبَطَرِ عَلَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الزَّجْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ هُنَا، فَلَا يَحْرُمُ الْإِسْبَالُ إِذَا سَلِمَ مِنَ الْخُيَلَاءِ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا أَنَّ أَبَا