فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 616

وَمَا لَعِقَهَا ثَلَاثًا، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَعَارَفٍ، فَفِيهِ شَائِبَةٌ مِنَ الشَّرَهِ وَالْخِسَّةِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَلَامِ مِيرَكَ مَا فِي الْأَصْلِ (قَالَ أَبُو عِيسَى) يَعْنِي الْمُصَنِّفَ (وَرَوَى غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ: كَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ) أَيِ الْإِبْهَامَ وَالْمُسَبِّحَةَ وَالْوُسْطَى.

قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: صِفَةُ لَعْقِ الْأَصَابِعِ وَلَفْظُهُ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ: الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَالْوُسْطَى، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا، الْوُسْطَى ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا ثُمَّ الْإِبْهَامَ، وَكَأَنَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الْوُسْطَى أَكْثَرُ تَلْوِيثًا; لِأَنَّهَا أَطْوَلُ فَيَبْقَى مِنَ الطَّعَامِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا; وَلِأَنَّهَا لِطُولِهَا أَوَّلُ مَا يَقَعُ فِي الطَّعَامِ، أَوْ لِأَنَّ الَّذِي يَلْعَقُ الْأَصَابِعَ يَكُونُ بَطْنُ كَفِّهِ إِلَى جِهَةِ وَجْهِهِ، فَإِذَا ابْتَدَأَ بِالْوُسْطَى انْتَقَلَ إِلَى السَّبَّابَةِ، إِلَى جِهَةِ يَمِينِهِ، ثُمَّ إِلَى الْإِبْهَامِ كَذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: جَاءَتْ عِلَّةُ لَعْقِ الْأَصَابِعِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ، وَقَدْ يُعَلَّلُ بِأَنَّمَسْحَهَا قَبْلَ لَعْقِهَا فِيهِ زِيَادَةُ تَلْوِيثٍ، لِمَا يَمْسَحُ بِهِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالرِّيقِ، لَكِنْ إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ انْتَهَى.

وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ تَعْلِيلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَنْقُولٌ وَالْآخَرُ مَعْقُولٌ، ثُمَّ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَلَفْظُهُ:"إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ مَا أَصَابَهَا مِنْ أَذًى، وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَمْسَحَ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ".

وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يَرْفَعُ الصَّحْفَةَ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ بِلَفْظِ:"فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ يُبَارَكُ لَهُ".

وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْعَسْقَلَانِيَّ قَالَ: وَالْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تَمْنَعُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، فَقَدْ يَكُونُ لِلْحُكْمِ عِلَّتَانِ فَأَكْثَرُ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى وَاحِدَةٍ لَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ، وَقَدْ أَبْدَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عِلَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ بِقَلِيلِ الطَّعَامِ.

قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَفَادَ هَذِهِ الْعِلَّةُ مِنَ التَّعْلِيلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْقَلِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ الْبَرَكَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ يُرِيدُ أَنْ لَا يُتَهَاوَنَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ احْتِمَالِ كَوْنِهَا مَحَلَّ الْبَرَكَةِ الْكَثِيرَةِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ، أَنَّ لِلطَّعَامِ الَّذِي يَحْضُرُ الْإِنْسَانَ فِيهِ بَرَكَةٌ لَا يَدْرِي أَنَّ تِلْكَ الْبَرَكَةَ فِيمَا أَكَلَ، أَوْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى أَصَابِعِهِ، أَوْ فِيمَا بَقِيَ بِأَسْفَلِ الْقَصْعَةِ، أَوْ فِي اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَى هَذَا كُلِّهِ; لِتَحْصِيلِ الْبَرَكَةِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ وَقَعَ لِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ.

إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ، فَلْيُمِطْ بِهَا مَا كَانَ مِنْ أَذًى، ثُمَّ لْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعَهَا لِلشَّيْطَانِ.

وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثٍ حَسَنٍ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَسْلِتَ الْقَصْعَةَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: السَّلْتُ تَتَبُّعُ مَا يَبْقَى فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغْذِيَةُ، وَتَسْلَمُ عَاقِبَتُهُ مِنَ الْأَذَى، وَيَقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ لَعْقَ الْأَصَابِعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت