فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 616

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذِّرَاعَ فَانْتَهَسَ مِنْهَا، وَتَنَاوَلَ بِشْرٌ عَظْمًا آخَرَ، فَلَمَّا ازْدَرَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُقْمَتَهُ، ازْدَرَدَ بِشْرٌ مَا فِي فِيهِ، وَأَكَلَ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ، فَإِنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ، وَفِيهِ أَنَّ بِشْرًا مَاتَ، وَأَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى أَوْلِيَائِهِ فَقَتَلُوهَا، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَمْ يُعَاقِبْهَا، وَأَجَابَ السُّهَيْلِيُّ بِمَا مَرَّ أَنَّهُ تَرَكَهَا أَوَّلًا; لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا مَاتَ بِشْرٌ قَتَلَهَا فِيهِ، وَأَبْدَاهُ الْبَيْهَقِيُّ احْتِمَالًا، وَعِنْدَ الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ، فَتَرَكَهَا وَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ; لِأَنَّهُ لَمَّا تَرَكَهَا لِإِسْلَامِهَا وَلِكَوْنِهِ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، مَاتَ بِشْرٌ فَلَزِمَهَا الْقِصَاصُ بِشَرْطِهِ، فَدَفَعَهَا إِلَى أَوْلِيَائِهِ فَقَتَلُوهَا قِصَاصًا، أَقُولُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَمَّا أَسْلَمَتْ تَرَكُوا الْقِصَاصَ، ثُمَّ إِسْلَامُهَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي مَغَازِيهِ، وَأَنَّهَا اسْتَدَلَّتْ بِعَدَمِ تَأْثِيرِ السُّمِّ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي أَنَّ جِبْرِيلَ وَالشَّاةَ مَا أَخْبَرَاهُ قَبْلَ تَنَاوُلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا، لِتَظْهَرَ هَذِهِ الْمُعْجِزَةُ، وَلِيَكُونَ سَبَبًا لِإِسْلَامِ مَنْأَسْلَمَ، وَحُجَّةً عَلَى مَنْ عَانَدَ فِي كُفْرِهِ وَتَصَمَّمَ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ (بْنُ زَيْدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ بِلَا تَاءٍ، وَهُوَ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْمُهُ كُنْيَتُهُ، وَلَهُ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ مِيرَكُ (قَالَ: طَبَخْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِدْرًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ شَاةً أَوْ لَحْمًا فِي قِدْرٍ، فَذَكَرَ الْقِدْرَ، وَأَرَادَ مَا فِيهِ مَجَازًا، بِذِكْرِ الْمَحَلِّ، وَإِرَادَةِ الْحَالِّ، ثُمَّ مَا قَدَّرْنَاهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ طَعَامًا فِي قِدْرٍ، (وَكَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ فَنَاوَلْتُهُ) أَيْ أَعْطَيْتُهُ (الذِّرَاعَ) ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَإِنَّمَا نَاوَلَهُ بِلَا طَلَبٍ; لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ يُعْجِبُهُ (ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ فَنَاوَلْتُهُ) أَيِ الذِّرَاعَ فَالْمَفْعُولُ الثَّانِي هُنَا مَحْذُوفٌ (ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ) الْوَاوُ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ أَوْ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ نَاوَلْتُكَ الذِّرَاعَيْنِ، وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ، حَتَّى أُنَاوِلَكَ ثَالِثًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ أَوْ تَعَجُّبٌ لَا إِنْكَارٌ; لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَقَامِ (فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أَيْ بِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَهَذَا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآيَاتِهَا، وَفِيهَا الْمَذْهَبَانِ الْمَشْهُورَانِ: التَّأْوِيلُ إِجْمَالًا، وَهُوَ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ظَوَاهِرِهَا، وَتَفْوِيضُ التَّفْصِيلِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ السَّلَفِ، وَالتَّأْوِيلُ تَفْصِيلًا، وَهُوَ مُخْتَارُ أَكْثَرِ الْخَلَفِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى التَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ السَّلَفُ عَدَمَ التَّفْصِيلِ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُضْطَرُّوا إِلَيْهِ لِقِلَّةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ فِي زَمَانِهِمْ وَآثَرَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت