الْخَلَفُ التَّفْصِيلَ; لِكَثْرَةِ أُولَئِكَ فِي زَمَانِهِمْ، وَعَدَمِ إِقْنَاعِهِمْ بِالتَّنْزِيهِ الْمُجَرَّدِ; وَلِذَا زَلَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ قَدَمُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ (لَوْ سَكَتَّ) أَيْ عَمَّا قُلْتَ مِنَ الِاسْتِبْعَادِ، وَامْتَثَلْتَ أَمْرِي فِي مُنَاوَلَةِ الْمُزَادِ (لَنَاوَلْتَنِي الذِّرَاعَ) أَيْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ (مَا دَعَوْتُ) أَيْ مُدَّةَ مَا طَلَبْتُ الذِّرَاعَ; لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَانَ يَخْلُقُ فِيهَا ذِرَاعًا بَعْدَ ذِرَاعٍ مُعْجِزَةً وَكَرَامَةً لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَفٌ وَكَرَمٌ.
قِيلَ: وَإِنَّمَا مَنَعَ كَلَامُهُ تِلْكَ الْمُعْجِزَةَ; لِأَنَّهُ شَغَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى رَبِّهِ، بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، أَوْ إِلَى جَوَابِ سُؤَالِهِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ خَارِقَ الْعَادَةِ، يَكُونُ فِي حَالَةِ الْفَنَاءِ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَعَدَمِ الشُّعُورِ عَنِ السَّوَاءِ، حَتَّى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يَعْرِفُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَكَيْفَ فِي حَالِ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ، أَوْلِيَائِي تَحْتَ قِبَابِي لَا يَعْرِفُهُمْ غَيْرِي.
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِيمَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
هَذَا وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: أَنَّهُ أُهْدِيَتْ لَهُ شَاةٌ فَجَعَلَهَا فِي قِدْرٍ، فَدَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا هَذَا قَالَ: شَاةٌ أُهْدِيَتْ لَنَا، قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ فَنَاوَلْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الْآخَرَ فَنَاوَلْتُهُ، فَقَالَ: نَاوِلَنِي الذِّرَاعَ الْآخَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا لِلشَّاةِ ذِرَاعَانِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي ذِرَاعًا فَذِرَاعًا مَا سَكَتُّ، الْحَدِيثَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ مُتَعَدِّدَةٌ.
(حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ) بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ (عَنْ فُلَيْحِ) بِضَمِّ فَاءٍ وَفَتْحِ لَامٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ (بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبَّادٍ) قَبِيلَةٌ (يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مَا كَانَتِ) وَفِي نُسْخَةٍ مَا كَانَ (الذِّرَاعُ أَحَبَّ اللَّحْمِ) وَفِي نُسْخَةٍ بِأَحَبِّ اللَّحْمِ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَطْيَبَ اللَّحْمِ لَحْمُ الظَّهْرِ (وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَجِدُ اللَّحْمَ إِلَّا غِبًّا) بِكَسْرِ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، لَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنْ يُؤْتَى بِاللَّحْمِ.