إِذْ عَمِلَ بِذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا عَلَى أَنَّهُ قِيلَ: لَا يُتِمُّ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ إِلَّا بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي نَصَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُقْتَضَيَاتٍ لِمُسَبِّبَاتِهَا قَدَرًا وَشَرْعًا، فَتَعْطِيلُهَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ، وَهَذَا الْبَحْثُ بِطَرِيقِ الِاسْتِيفَاءِ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْإِحْيَاءِ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ تَقْوِيَةٌ لِنَفْسِ الْمَرِيضِ وَالطَّبِيبِ، وَحَثٌّ عَلَى طَلَبِ الدَّوَاءِ، وَتَخْفِيفٌ لِلْمَرِيضِ، فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا اسْتَشْعَرَتْ أَنَّ لِدَائِهَا دَوَاءً يُزِيلُهُ قَوِيَ رَجَاؤُهَا، وَانْبَعَثَ حَارُّهَا الْغَرِيزِيُّ، فَتَقْوَى الرُّوحُ النَّفْسَانِيَّةُ وَالطَّبِيعِيَّةُ وَالْحَيَوَانِيَّةُ، وَبِقُوَّةِ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ تَقْوَى الْقُوَى الْحَامِلَةُ لَهَا، فَيَتَدَفَّعُ الْمَرِيضُ وَتَقْهَرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْإِنْزَالِ فِي أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءًالتَّقْدِيرُ أَوْ إِنْزَالُ عِلْمِهِ عَلَى لِسَانِ مَلِكِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ إِلْهَامِ مَنْ يُعْتَدُّ بِإِلْهَامِهِ عَلَى أَنَّ الْأَدْوِيَةَ الْمَعْنَوِيَّةَ كَصِدْقِ الِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالْخُضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَعَ الصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ وَالتَّفْرِيجِ عَنِ الْمَكْرُوبِ أَصْدَقُ فِعْلًا، وَأَشْرَعُ نَفْعًا مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْحِسِّيَّةِ بِشَرْطِ تَصْحِيحِ النِّيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّةَ رُبَّمَا تَخَلَّفَ الشِّفَاءُ عَمَّنِ اسْتَعْمَلَ طِبَّ النُّبُوَّةِ لِمَانِعٍ قَامَ بِهِ، مِنْ نَحْوِ ضَعْفِ اعْتِقَادِ الشِّفَاءِ بِهِ، وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ أَيْضًا فِي عَدَمِ نَفْعِ الْقُرْآنِ لِكَثِيرِينَ مَعَ أَنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ.
وَقَدْ طَبَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْأَمْرَاضِ، وَمَحَلُّ بَسْطِهَا فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ، وَسَائِرِ السِّيَرِ مِنْ كِتَابِ الْمَوَاهِبِ، وَزَادِ الْمَعَادِ لِابْنِ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ) أَيِ الثَّوْرِيِّ ذَكَرَهُ مِيرَكُ (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ أَحْيَانًا (يَأْتِينِي) أَيْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ (فَيَقُولُ) أَيْ لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ (أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ، هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُؤْكَلُ أَوَّلَ النَّهَارِ (فَأَقُولُ لَا) أَيْ أَحْيَانًا (قَالَتْ) أَيْ عَائِشَةُ (فَيَقُولُ) أَيْ حِينَئِذٍ (إِنِّي صَائِمٌ) وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ بِزِيَادَةِ إِذَنْ أَيْ نَاوٍ لِلصَّوْمِ، فَهُوَ خَبَرٌ لَفْظًا، وَإِنْشَاءٌ مَعْنًى، أَوْإِخْبَارٌ بِأَنَّهُ قَدْ نَوَى الصَّوْمَ لِيَتَحَقَّقَ النِّيَّةُ فِي أَكْثَرِ وَقْتِ الصَّوْمِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِظْهَارِ الْعِبَادَةِ لِحَاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ، كَتَعْلِيمِ مَسْأَلَةٍ وَبَيَانِ حَالَةٍ، وَعَلَى جَوَازِ نِيَّةِ النَّفْلِ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ، بِشَرْطِ عَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَبْلَ النِّيَّةِ، بِمَا يُنَافِي الصَّوْمَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ التَّبْيِيتُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ فِي اللَّيْلِ"، قَالَ: وَلَا دَلِيلَ فِي:"إِنِّي صَائِمٌ"، إِذِ الِاحْتِمَالُ إِنِّي صَائِمٌ إِذًا كَمَا كُنْتُ، أَوْ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى الْفِطْرِ لِعُذْرٍ ثُمَّ تَمَّمَ الصَّوْمَ، وَلَا خَفَاءَ فِي بُعْدِ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَالْخَبَرُ مُقَيَّدٌ عِنْدَنَا بِالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِالْفَرَائِضِ (قَالَتْ: فَأَتَانَا) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَأَتَانِي (يَوْمًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (أُهْدِيَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُرْسِلَتْ (لَنَا هَدِيَّةٌ قَالَ: وَمَا هِيَ قُلْتُ: حَيْسٌ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ