بِالْفَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ التَّمْرُ طَعَامًا مُسْتَقِلًّا، وَلَمْ يَكُنْ مُتَعَارَفًا بِالْأُدُومَةِ، أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَالِحٌ لَهَا، قَالَ مِيرَكُ: هَذَا الْحَدِيثُ يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّ التَّمْرَ إِدَامٌ، كَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ، وَيَرُدُّ قَوْلَ مَنْ شَرَطَ الِاصْطِنَاعَ فِي الْإِدَامِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَكِنْ خَصَّصَ مِنَ الْإِدَامِ مَا يُؤْكَلُ غَالِبًا وَحْدَهُ، كَالتَّمْرِ وَلَمْ يَعُدَّهُ مِنَ الْإِدَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَعَ إِطْلَاقُ الْإِدَامِ عَلَى التَّمْرِ فِي الْحَدِيثِ مَجَازًا أَوْ تَشْبِيهًا بِالْإِدَامِ، حَيْثُ أَكَلَهُ مَعَ الْخُبْزِ، قُلْتُ: هَذَا الْمُحْتَمَلُ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَكَانَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ، وَأَمَا مَبْنَى الْأَيْمَانِ وَالْحِنْثِ، فَعَلَى الْعُرْفِ الْمُخْتَلِفِ زَمَانًا وَمَكَانًا، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفِيهِ مِنْ تَدْبِيرِ الْغِذَاءِ، فَإِنَّ الشَّعِيرَ بَارِدٌ يَابِسٌ، وَالتَّمْرَ حَارٌّ رَطْبٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِيهِ مِنَ الْقَنَاعَةِ مَا لَا يَخْفَى.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) يَعْنِي الدَّارِمِيَّ (حَدَّثَنَا سَعِيدُ) بِالْيَاءِ (بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبَّادِ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (بْنِ الْعَوَّامِ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ (عَنْ حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ الثُّفْلُ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَيُكْسَرُ، وَسُكُونِ الْفَاءِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَا يَرْسُبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْعَصْرِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَقِيَ فِي آخِرِ الْوِعَاءِ مِنْ نَحْوِ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ، وَمِنْهُ مَا وَرَدَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ:"مَنْ كَانَ مَعَهُ ثُفْلٌ فَلْيَصْطَنِعْ" (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) أَيْ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ (يَعْنِي) أَيْ يُرِيدُ أَنَسٌ بِالثُّفْلِ (مَا بَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ) أَيْ فِي الْقِدْرِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ إِعْجَابِهِ أَنَّهُ مَنْضُوجٌ غَايَةَ النُّضْجِ الْقَرِيبِ إِلَى الْهَضْمِ، فَهُوَ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ أَوْ أَلَذُّ.
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّوَاضُعِ وَالصَّبْرِ وَالْقَنَاعَةِ بِالْقَلِيلِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"سَاقِي الْقَوْمَ آخِرُهُمْ شُرْبًا"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، أَوْ فِي الصَّحْفَةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ فَلَحِسَهَا اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ، وَقِيلَ: الثُّفْلُ هُوَ الثَّرِيدُ، وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ، وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ السَّيِّدِ أَصِيلِ الدِّينِ أَنَّ الثُّفْلَ بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ وَضَمِّهَا وَهُوَ أَفْصَحُ وَسُكُونِ الْفَاءِ، وَفَسَّرَهُ شَيْخُ التِّرْمِذِيِّ وَهُوَ الْإِمَامُ الدَّارِمِيُّ بِمَا بَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ، وَقَالَ الشَّارِحُ: الْمُظْهَرُ أَيْ: فِي الْقِدْرِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالْمَسْمُوعُ مِنْ أَفْوَاهِالْمَشَايِخِ، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: أَيْ مَا بَقِيَ فِي الْقَصْعَةِ، وَيُقَالُ: فِي وَجْهِ إِعْجَابِهِ مَا بَقِيَ فِي الْقِدْرِ أَنَّهُ أَقَلُّ دَهَانَةً، فَيَكُونُ أَسْرَعُ انْهِضَامًا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَجْمَعُ طُعُومًا فِي الْقِدْرِ فَيَكُونُ أَلَذَّ وَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ دَأْبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيثَارُ، وَمُلَاحَظَةُ الْغَيْرِ مِنَ الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ، وَأَرْبَابِ الْحَوَائِجِ، وَتَقْدِيمُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ لَا جَرَمَ كَانَ يَصْرِفُ الطَّعَامَ الْوَاقِعَ فِي أَعَالِي الْقِدْرِ وَالظُّرُوفِ إِلَيْهِمْ، وَيَخْتَارُ لِخَاصَّتِهِ مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي الْأَسَافِلِ رِعَايَةً لِسُلُوكِ سَبِيلِ التَّوَاضُعِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَغْبِيَاءِ الْأَغْنِيَاءِ يَتَكَبَّرُونَ وَيَأْنَفُونَ مِنْ أَكْلِ الثُّفْلِ، وَيَصُبُّونَهُ وَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ بِجَمِيلِ حِكْمَتِهِ فِي