إِيذَاءٍ لَهُ، وَبِهِ فَارَقَ الْهُزْؤُ وَالسُّخْرِيَةُ، وَالضَّمُّ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا لَا الْكَسْرُ كَمَا قَالَ شَارِحٌ: لِأَنَّهُ مَصْدَرُ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، وَهُوَ لِلْمُغَالَبَةِ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تُمَارِ أَخَاكَ وَلَا تُمَازِحْهُ. عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، فَقَدْ رَوَاهُ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَجَازِيِّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا إِسْنَادٌ مُسْتَقِيمٌ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، فَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا، وَكَانَ عَالِمًا ذَا صَلَاةٍ وَصِيَامٍ قَالَ النَّوَوِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُزَاحَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي فِيهِ إِفْرَاطٌ، وَيُدَاوَمُ عَلَيْهِ ; فَإِنَّهُ يُورِثُ الضَّحِكَ، وَقَسْوَةَ الْقَلْبِ، وَيَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالْفِكْرِ فِي مُهِمَّاتِ الدِّينِ، وَيَئُولُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ عَلَى الْإِيذَاءِ، وَيُوجِبُ الْأَحْقَادَ، وَيُسْقِطُ الْمَهَابَةَ، وَالْوَقَارَ، فَأَمَّا مَا سَلِمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَهُوَ الْمُبَاحُ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ عَلَى النُّدْرَةِ لِمَصْلَحَةِ تَطْيِيبِنَفْسِ الْمُخَاطَبِ، وَمُؤَانَسَتِهِ وَهُوَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، فَاعْلَمْ هَذَا ; فَإِنَّهُ مِمَّا يَعْظُمُ الِاحْتِيَاجُ إِلَيْهِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ) بِضَمِّ الذَّالِ، وَيُسَكَّنُ فِي النِّهَايَةِ مَعْنَاهُ الْحَضُّ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى حُسْنِ الِاسْتِمَاعِ لِمَا يُقَالُ لَهُ لِأَنَّ السَّمْعَ بِحَاسَّةِ الْأُذُنِ، وَمَنْ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْأُذُنَيْنِ فَغَفَلَ وَلَمْ يُحْسِنِ الْوَعْيَ، لَمْ يُعْذَرْ وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ جُمْلَةِ مُدَاعَبَاتِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَطِيفِ أَخْلَاقِهِ انْتَهَى. وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ أَنَسًا كَانَ صَغِيرًا عُمُرُهُ عَشْرَ سِنِينَ خَادِمًا لِحَضْرَتِهِ، وَاقِفًا فِي خِدْمَتِهِ، فَمُزَاحُهُ مَعَهُ لِكَوْنِهِ صَغِيرًا.
وَمِمَّا وَقَعَ مِنْ مُزَاحِهِ مَعَ الصِّغَارِ أَنَّهُ مَجَّ مَجَّةً فِي وَجْهِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَةِ سِنِينَ يُمَازِحُهُ، فَكَانَ فِيهِ مِنَ الْبَرَكَةِ إِنَّهُ لَمَّا كَبُرَ لَمْ يَبْقَ فِي ذِهْنِهِ مِنَ الرِّوَايَةِ غَيْرُهَا، فَعُدَّ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَرُوَاتِهِمْ، وَجُعِلَ عُمُرُهُ أَقَلَّ زَمَانِ التَّحَمُّلِ.
وَأَنَّهُ نَضَحَ الْمَاءَ فِي وَجْهِ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَلَمْ يَزَلْ رَوْنَقُ الشَّبَابِ فِي وَجْهِهَا، وَهِيَ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُونَ، وَأَوْرَدُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَقِيلَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى كَمَالِ انْقِيَادِهِ، وَحُسْنِ خِدْمَتِهِ (قَالَ مَحْمُودٌ) : أَيْ: شَيْخُ الْمُصَنِّفِ، وَقَالَ شَارِحٌ: فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَبُو عِيسَى بَدَلَ مَحْمُودٍ (قَالَ أَبُو أُسَامَةَ) أَيْ: شَيْخُ شَيْخِهِ (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ لَهُ يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ (يُمَازِحُهُ) أَيْ: مُزَاحُهُ مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ الْفِعْلِ، وَإِرَادَةِ الْمَصْدَرِ مِنْ مَجَازِ إِطْلَاقِ الْكُلِّ، وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) ، وَخُلَاصَةُ مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ الرَّاوِيَ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الْمُدَاعَبَةِ، ثُمَّ وَجْهُ الْمُزَاحِ أَنَّهُ سَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ مِمَّا قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ الرَّاوِي حَمَلَالْحَدِيثَ عَلَى الْمُدَاعَبَةِ، ثُمَّ وَجْهُ الْمُزَاحِ أَنَّهُ سَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ مِمَّا قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ