فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 616

-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا مَلَأْتُ عَيْنِي قَطُّ حَيَاءً مِنْهُ، وَتَعْظِيمًا لَهُ، وَلَوْ قِيلَ لِي صِفْهُ لَمَا قَدِرْتُ.

فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُ، وَهُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ أَصْحَابِهِ فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّةَ لَوْلَا مَزِيدُ تَأَلُّفِهِ وَمُبَاسَطَتِهِ لَهُمْ لَمَا قَدَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَجْتَمِعَ بِهِ هَيْبَةً وَفَرَقًا مِنْهُ لَا سِيَّمَا عَقِبَ مَا كَانَ يَتَجَلَّى عَلَيْهِ مِنْ مَوَاهِبِ الْقُرْبِ، وَعَوَائِدِالْفَضْلِ، لَكِنَّهُ كَانَ لَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِلَّا بَعْدَ الْكَلَامِ مَعَ عَائِشَةَ أَوْ الِاضْطِجَاعِ بِالْأَرْضِ إِذْ لَوْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي تَجَلَّى بِهَا مِنَ الْقُرْبِ فِي مُنَاجَاتِهِ، وَسَمَاعِ كَلَامِ رَبِّهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكِلُّ الْإِنْسَانُ عَنْ وَصْفِ بَعْضِهِ لَمَا اسْتَطَاعَ بَشَرٌ أَنْ يَلْقَاهُ، فَكَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَهَا أَوْ يَضْطَجِعُ بِالْأَرْضِ لِيَسْتَأْنِسَ بِجِنْسِهِمْ أَوْ بِجِنْسِ أَصْلِ خَلْقِهِمْ، وَهِيَ الْأَرْضُ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ بِحَالَةٍ يَقْدِرُونَ عَلَى مُشَاهَدَتِهَا رِفْقًا بِهِمْ، وَرَحْمَةً لَهُمْ.

(حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ) بِضَمِّ الدَّالِ (أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ) وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ:"الْحُسَيْنِ"بِالتَّصْغِيرِ قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ غَلَطٌ (أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ بِفَتْحِ الْمِيمِ فَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَيُفْتَحُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: تُمَازِحُنَا، وَالْمَعْنَى: إِنَّكَ نَهَيْتَنَا عَنِ الْمُزَاحِ كَمَا سَبَقَ، وَنَحْنُ أَتْبَاعُكَ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِكَ فِي الْأَفْعَالِ، وَالْأَخْلَاقِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ (قَالَ: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا) جَوَابٌ لِلسُّؤَالِ عَلَى وَجْهٍ مُتَضَمِّنٍ لِلْعِلَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى نَهْيِهِمْ، وَالْمَعْنَى: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا حَتَّى فِي مُزَاحِي، فَكُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ يُبَاحُ لَهُ، بِخِلَافِ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ حَالَ مَزْحِهِ فِي الْبَاطِلِ مِنَ السُّخْرِيَةِ، وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى، وَالْكَذِبِ وَالضَّحِكِ الْمُفْرِطِ الْمُوجِبِ لِقَسَاوَةِ الْقَلْبِ.

وَإِنَّمَا أُطْلِقَ النَّهْيُ نَظَرًا إِلَى أَحْوَالِ الْأَغْلَبِ كَمَا هُوَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ فِي بِنَاءِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ مُزَاحُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَعَهُ أَيْضًا، وَقَرَّرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثٍ أَذْكُرُهُ بَعْدَ حَدِيثِ زَاهِرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ تُدَاعِبُنَا يَعْنِي تُمَازِحُنَا انْتَهَى. فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ مَشَايِخِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ تَصْدِيرَ الْجُمْلَةِ بِأَنَّ الْمُؤَكِّدَةِ يَدُلُّ عَلَى إِنْكَارِ أَمْرٍ سَابِقٍ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ فِي صَدْرِ الرِّسَالَةِ، وَمَكَانَتِكَ مِنَ اللَّهِ الْمُدَاعَبَةُ، فَأَجَابَهُمْ بِالْقَوْلِ الْمُوجِبِ أَيْ: نَعَمْ أُدَاعِبُ، وَلَكِنْ لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا لِلَّهِدَرُّ مُزَاحٍ هُوَ حَقٌّ، فَكَيْفَ بِجِدِّهِ انْتَهَى.

وَقَوْلُهُ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ إِلَى آخِرِهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ، فَتَأَمَّلْ وَلَا تُمْلِلْ، وَانْصِفْ لِيَظْهَرَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت