وَخِفَّةٍ أَوْ قَعَدَ عَلَى لُغَةِ قَبِيلَةِ حِمْيَرَ ; فَإِنَّ الْوُثُوبَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى الْقُعُودِ (فَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) أَيِ: اغْتَسَلَ (وَإِلَّا تَوَضَّأَ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا جَدِيدًا لِأَنَّ نَوْمَهُ لَا يَنْقُضُ كَذَا قِيلَ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْجَزْمَ بِذَلِكَ تَسَاهُلٌ إِذْ يُحْتَمَلُ هَذَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ نَاقِضٌ آخَرُ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ (وَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ) أَيْ: بَعْدَ أَنْصَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرَ فِي الْبَيْتِ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا، وَلَفْظُهُمَا كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ ; فَإِنْ كَانَتْ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلْ، وَإِلَّا فَتَوَضَّأَ وَخَرَجَ وَقَدْ أَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ حَيْثُ قَالَ: هَذَا بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَالَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صُورَةِ إِلْمَامِهِ بِأَهْلِهِ كَانَتْ مُنْحَصِرَةًفِي الْغُسْلِ، وَالْوُضُوءِ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"مَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ مَسَّهَا بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ"انْتَهَى.
وَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ ; فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِلْمَامِ هُوَ الْجِمَاعُ بِالْإِجْمَاعِ، فَقَوْلُهُ:"مُنْحَصِرَةٌ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ"، غَيْرُ صَحِيحٍ هَذَا، وَقَدْ صَرَّحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ"أَفْضَلَ الْقِيَامِ قِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ"وَفِيهِ أَنَّ الْأَوْلَى تَأْخِيرُ الْجِمَاعِ عَنِ ابْتِدَاءِ النَّوْمِ لِيَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي الِاهْتِمَامُ بِالْعِبَادَةِ، وَعَدَمُ التَّكَاسُلِ عَنْهَا بِالنَّوْمِ، وَالْقِيَامُ بِالنَّشَاطِ لِلطَّاعَةِ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا:"مَا صَلَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ بَيْتِي إِلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَيْضًا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ أَيِ: الدِّيكَ وَهُوَ يَصِيحُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كَانَ رُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ، وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا فِي آخِرِهِ وَرُبَّمَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ، وَرُبَّمَا خَافَتَ". وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ:"كَانَ يُصَلِّي بِنَا ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا يُصَلِّي، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، حَتَّى يُصْبِحَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنِّسَائِيِّ:"كَانَ يُصَلِّي الْعَتْمَةَ ثُمَّ يُسَبِّحُ، ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يِنْصَرِفُ فَيَرْقُدُ مِثْلَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمِهِ ذَلِكَ فَيُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، وَصَلَاتُهُ تِلْكَ الْآخِرَةُ إِلَى الصُّبْحِ".
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إِشَارَةٌ إِلَى تَحْوِيلِ السَّنَدِ، وَلِذَا عَطَفَ بِقَوْلِهِ (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) عَنْ كُرَيْبٍ مُصَغَّرًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ (أَخْبَرَهُ) أَيْ: كُرَيْبًا (أَنَّهُ) وَأَغْرَبَ شَارِحٌ فَقَالَ: أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بَاتَ) أَيْ: رَقَدَ فِي اللَّيْلِ (عِنْدَ مَيْمُونَةَ) أَيْ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (وَهِيَ خَالَتُهُ) أَيْ: فَهُوَ مَحْرَمٌ لَهَا ; فَإِنَّهَا بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ قِيلَ كَانَ اسْمُهَا بَرَّةُ فَسَمَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَيْمُونَةَ، كَانَتْ تَحْتَ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَفَارَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا أَبُو رُهْمِ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَتُوُفِّيَ عَنْهَا فَتَزَوَّجَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ بَعْدَ خَيْبَرَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَكَانَتْ أُخْتُهَا أُمُّ الْفَضْلِ لُبَابَةُ تَحْتَ الْعَبَّاسِ، وَأُخْتُهَا لِأُمِّهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ تَحْتَ جَعْفَرٍ، وَسَلْمَى بِنْتُ عُمَيْسٍ تَحْتَ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قِيلَ وَهِيَ الْوَاهِبَةُ نَفْسَهَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّهَا لَمَّا جَاءَتْهَا خِطْبَتُهُ