فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 616

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَخَذَ مِنْهُ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوَّلَ يَوْمٍ لِصَلَاةِ الضُّحَى اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى، وَفِيهِ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ نُدِبَ لِعَدَمِ تَكَرُّرِ فِعْلِهِ، وَتَأْكِيدُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَسَبَّحَ) أَيْ: صَلَّى، مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ لِاشْتِمَالِ الصَّلَاةِ عَلَى التَّسْبِيحِ، وَقَدْ يُطْلَقُ التَّسْبِيحُ عَلَى صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ: فَصَلَّى (ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) وَلِمُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي بَيْتِهَا عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَرَوَى النَّسَائِيُّ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ ذَهَبَتْ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَتْ فَقَالَ مَنْ هَذَا قُلْتُ أُمُّ هَانِئٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَالثَّمَانِي فِي الْأَصْلِ مَنْسُوبٌ إِلَى الثُّمُنِ لِأَنَّهُ الْجُزْءُ الَّذِي صَيَّرَ السَّبْعَةَ ثَمَانِيَةً فَهُوَ ثُمُنُهَا، ثُمَّ فَتَحُوا أَوَّلَهُ لِأَنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ فِي النَّسَبِ، وَحَذَفُوا مِنْهَا إِحْدَى يَائَيِ النِّسْبَةِ، وَعَوَّضُوا مِنْهَا الْأَلِفَ، وَقَدْ يُحْذَفُ مِنْهُ الْيَاءُ، وَيُكْتَفَى بِكَسْرِ النُّونِ أَوْ يُفْتَحُ تَخْفِيفًا كَذَا حَقَّقَهُ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ، وَزَادَ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ فَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ، فَسَأَلَتْهُ امْرَأَتُهُ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَأَى مِنْ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّ أُمَّ هَانِئٍ رَأَتْ بَقِيَّةَ الثَّمَانِ، وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّهُ صَلَّاهَا مَفْصُولَةً كَذَا إِفَادَةُ الْحَافِظِ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَقَالَ مِيرَكُ: كَوْنُهُ مُقَوِّيًا لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَأَى الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ تَأَمَّلْ. قُلْتُ: كَلَامُ الْعَسْقَلَانِيِّ هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِلَّا فَيُنَافِي رِوَايَتَهُ عَنْهَا، فَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، تَدَبَّرْ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَلِمُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ يَبْطُلُ قَوْلُ عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ: حَدِيثُهَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي قَصْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةَ الضُّحَى، قُلْتُ بَلِ الصَّوَابُ قَوْلُ عِيَاضٍ وَمَنْ تَبِعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ رِوَايَةِ الرَّاوِي أَنَّهُ - صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ اقْتِرَانُ وَقْتِ الضُّحَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصَدَ صَلَاةَ الضُّحَى وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُهُ أَيْضًا، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا تُفْعَلُ صَلَاةُ الضُّحَى إِلَّا لِسَبَبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا صَلَّاهَا يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ أَجْلِ الْفَتْحِ، فَيُبْطِلُهُ مَا مَرَّ مِنَ الْأَحَادِيثِ انْتَهَى.

وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَتْحَ لَيْسَ سَبَبًا لِهَذِهِ الصَّلَاةِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِإِنْشَائِهَا ثُمَّ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى أَدَائِهَا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى سَبَبٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ فَضَائِلِهَا لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهَا قَالَتْ: لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ:"صَلَاةُ الضُّحَى"، وَلِمَا صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:"أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ"، وَذَكَرَ مِنْهُنَّ الضُّحَى، وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَارُ دَرْسَ الْحَدِيثِ بِاللَّيْلِ عَلَى الصَّلَاةِ فَأَمَرَ بِالضُّحَى بَدَلًا عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَلِهَذَا أَمَرَهُ دُونَ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ أَنْ لَا يَنَامَ إِلَّا عَلَى وَتْرٍ فَمَعَ كَمَالِ بُعْدِهِ يَرُدُّهُ أَنَّهَذِهِ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ خَاصَّةٍ بِهِ بَلْ رَوَاهَا مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (مَا رَأَيْتُهُ) أَيِ: النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (صَلَّى صَلَاةً) أَيْ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت