فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 616

إِيَاسٌ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ) أَيْ: مِنْهُ (حَتَّى نَقُولَ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ حَتَّى يَقُولُوا (مَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ وَيُفْطِرُ) أَيْ: مِنْهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ حَتَّى نَقُولُ مَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ، وَمَا صَامَ، أَيْ: لَمْ يَصُمْ (شَهْرًا كَامِلًا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إِلَّا رَمَضَانَ) ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورُ مَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَةَ شَهْرًا تَامًّا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَيْرَ رَمَضَانَ.

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ مَا صَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهْرًا كَامِلًا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إِلَّا رَمَضَانَ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ قِيلَ سُمِّيَ شَعْبَانُ لِتَشَعُّبِهِمْ فِي طَلَبِ الْمِيَاهِ، وَالْأَوْلَى مَا قِيلَ لِتَشَعُّبِهِمْ فِي الْغَارَاتِ بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ شَهْرُ رَجَبٍ الْحَرَامُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ مَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ.

قُلْتُ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ صَامَ أَكْثَرَهُ ; فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومَهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: الثَّانِي مُفَسِّرٌ لِلْأَوَّلِ، وَبَيَانُ أَنَّ قَوْلَهَا كُلَّهُ أَيْ: غَالِبَهُ فَقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ هَاهُنَا شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَعْتَبِرِ الْإِفْطَارَ الْقَلِيلَ مِنْهُ، وَحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالتَّتَابُعِ لِقِلَّتِهِ، وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ يُقَالُ صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَيُقَالُ قَامَ فُلَانٌ لَيْلَتَهُ أَجْمَعَ، وَلَعَلَّهُ قَدْ تَعَشَّى، وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَكَانَ ابْنَ الْمُبَارَكَ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِذَلِكَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُلِّ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ مَجَازٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ، وَلِذَا اسْتَبْعَدَهُ الطِّيبِيُّ مُعَلِّلًا بِقَوْلِهِ ; لِأَنَّ الْكُلَّ تَأْكِيدُ إِرَادَةِ الشُّمُولِ وَدَفْعِ التَّجَوُّزِ، فَتَفْسِيرُهُ بِالْبَعْضِ مُنَافٍ لَهُ قَالَ: فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ فِي وَقْتٍ، وَيَصُومُ بَعْضَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ وَاجِبٌ كَرَمَضَانَ فَعَلَى هَذَا مُرَادُ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِمَا مَا صَامَ شَهْرًا مَا صَامَهُ عَلَى الدَّوَامِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمَا"كُلَّهُ"أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ وَلَا يَخُصُّ بَعْضَهُ بِصِيَامٍ دُونَ بَعْضٍ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَاطَّلَعَتْ عَلَيْهِ أَمُّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وَجَمَعَ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ قَدْ يَسْتَكْمِلَ صَوْمَ شَعْبَانَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ فِيمَا مَرَّ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ إِنَّمَا فُرِضَ فِي الْمَدِينَةِ فِي شَعْبَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِي مَكَّةَ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرْدُ صَوْمٍ لَا فِي شَعْبَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ.

فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ كَلَامُهَا أَنَّهَا رَأَتْهُ يَصُومُ شَعْبَانَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت