فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 616

فِي قِسْمَةِ الْأَرَاضِي وَحِرَفِهَا، وَقِيلَ الرِّشْكُ: اللِّحْيَةُ الْكَثِيفَةُ لُقِّبَ بِهِ لِكَثْرَةِ لِحْيَتِهِ، وَكَثَافَتِهَا، وَقِيلَ الرِّشْكُ الْعَقْرَبُ وَلُقِّبَ بِهِ ; لِأَنَّهُ قِيلَ إِنَّ عَقْرَبًا دَخَلَ لِحْيَتَهُ وَمَكَثَ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْرِي بِهِ لِكَثَافَةِ لِحْيَتِهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: لُقِّبَ بِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ غَيُورًا فَكَانَ عَيْنَ الْغَيْرَةِ وَالرِّشْكِ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قُلْتُ: الرَّشْكُ بِفَتْحِ الرَّاءِ فَارِسِيٌّ بِمَعْنَى الْغَيْرَةِ، وَلَعَلَّهُ عُرِّبَ وَغُيِّرَ أَوَّلُهُ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الصِّحَاحِ هَذِهِ الْمَادَّةَ، وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الرِّشْكُ بِالْكَسْرِ: الْكَبِيرُ اللِّحْيَةِ، وَالَّذِي يَعُدُّ عَلَى الرُّمَاةِ فِي السَّبْقِ، وَأَصْلُهُ الْقَافُ، وَلَقَبُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ الضُّبَعِيِّ أَحْسَبِ أَهْلِ زَمَانِهِ.

(حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ) بِسُكُونِ الْمِيمِ (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ) وَكَذَا رَوَى عَنْهَا الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مَعَ بَعْضِ تَخَالُفٍ فِي الْمَبْنَى لَا يَحْصُلُ بِهِ تَغَيُّرٌ فِي الْمَعْنَى (قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ) بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ، وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقِيلَ أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ هُوَ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ فَاعُولَاءُبِالْمَدِّ غَيْرُهُ، وَقَدْ أُلْحِقَ بِهِ تَاسُوعَاءُ فِي تَاسِعِ الْمُحَرَّمِ، وَقِيلَ أَنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ التَّاسِعُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِشْرِ بِالْكَسْرِ فِي أَوْرَادِ الْإِبِلِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَعَاشُورَاءُ مَعْدُولٌ عَنِ الْعَاشِرَةِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةُ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ ; لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَشْرِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْعِقْدِ، وَالْيَوْمُ مُضَافٌ إِلَيْهَا، فَإِذَا قِيلَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّهُ قِيلَ يَوْمُ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا عَدَلُوا بِهِ عَنِ الصِّفَةِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةِ فَاسْتَغْنَوْا عَنِ الْمَوْصُوفِ فَخَفُّوا اللَّيْلَةَ فَسَاغَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى الْيَوْمِ الْعَاشِرِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: عَاشُورَاءُ مِنْ بَابِ الصِّفَةِ الَّتِي لَمْ يُرْوَ لَهَا فِعْلٌ، وَالتَّقْدِيرُ يَوْمٌ مُدَّتُهُ عَاشُورَاءُ وَصِفَتُهُ عَاشُورَاءُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَانَ (يَوْمًا يَصُومُهُ قُرَيْشٌ) وَهُمْ أَوْلَادُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَقِيلَ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: مِنْ قَبْلِ بَعْثَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُشْرِفَةِ بِنَعْتِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا تَلَقَّوْهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلِذَا كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ أَيْضًا بِكُسْوَةِ الْكَعْبَةِ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَذْنَبَتْ قُرَيْشٌ ذَنْبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَعَظُمَ فِي صُدُورِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ صُومُوا عَاشُورَاءَ يُكَفَّرُ ذَلِكَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَعَلَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَسْتَنِدُونَ فِي صَوْمِهِ إِلَى شَرْعِ مَنْ مَضَى كَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ فِصَامَهُ نُوحٌ شُكْرًا (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافَقَةً لَهُمْ كَمَا فِي الْحَجِّ أَوْ مُصَادَفَةً لَهُمْ بِإِلْهَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ هَذَا فِعْلُ خَيْرٍ أَوْ مُطَابَقَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ نَدْبًا أَوْ فَرْضًا (فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) أَيْ: فَصَارَ فَرْضًا كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَأَتْبَاعُهُ ; فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ اتِّفَاقًا.

وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ، فَلْيَصُمْ وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ إِلَى اللَّيْلِ.

وَهَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ لِحُرْمَةِ الْيَوْمِ مَعَ أَنَّ الْحُرْمَةَ إِنَّمَا تُنَاسِبُ الْوُجُوبَ، وَقَالَ مِيرَكُ: هَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ.

فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت