فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 616

لَا كَانَ (عَمَلُهُ دِيمَةً) بِكَسْرِ الدَّالِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الدَّوَامِ، وَأَصْلُهُ الْوَاوُ، فَانْقَلَبَتْ يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا ; وَإِنَّمَا جُعِلَتْ عَلَى صِيغَةِ النَّوْعِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ نَوْعُ دَوَامٍ مَخْصُوصٍ، فَإِنَّ الدِّيمَةَ فِي الْأَصْلِ الْمَطَرُ الَّذِي لَا رَعْدَ فِيهِ، وَلَا بَرْقَ، وَفِيهِ سُكُونٌ، وَأَقَلُّهُ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثُ النَّهَارِ، وَأَكْثَرُهُ مَا بَلَغَ مِنَ الْعُدَّةِ ثُمَّ شُبِّهَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّا لَهُ دَوَامٌ، وَلَا قَطْعَ فِيهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ الِاقْتِصَادِ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ عَمَلُهُ دَائِمًا، وَوُقُوعُهُ فِي مَحَلِّهِ لَازِمًا قَالَ ابْنُ التِّينِ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى كَرَاهَةِ تَحَرِّي صِيَامِ يَوْمٍ مِنَ الْأُسْبُوعِ وَأَجَابَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ بِأَنَّ السَّائِلَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ; إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ تَخْصِيصِ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا أَيَّامًا، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ تَخْصِيصِهِ مِنَ الْأَيَّامِ بِالصِّيَامِ ; فَإِنَّمَا خُصِّصَ لِأَمْرٍ لَا يُشَارِكُهُ فِي بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ كَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَالْأَيَّامِ الْبِيضِ، وَجَمِيعِ مَا عُيِّنَ لِمَعْنًى خَاصٍّ، وَإِنَّمَا سَأَلَ عَنْ تَخْصِيصِ يَوْمٍ لِكَوْنِهِ مَثَلًا يَوْمَ السَّبْتِ، وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ صَوْمُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَالْخَمِيسِ وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِمَا أَحَادِيثُ، وَكَأَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَلِهَذَا أَبْقَى التَّرْجَمَةَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ ; فَإِنْ ثَبَتَ فِيهِمَا مَا يَقْتَضِي تَخْصِيصًا اسْتُثْنِيَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ لَا قُلْتُ وَرَدَ فِي صِيَامِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْجُرَشِيِّ عَنْهَا، وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَرَّى صِيَامَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَحَدِيثُ أُسَامَةَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ يَوْمَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، فَعَلَى هَذَا فَالْجَوَابُ عَلَى الْإِشْكَالِ أَنْ يُقَالَ لَعَلَّ الْمُرَادَ الْأَيَّامُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَكَانَ لِمَا سُمِعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَرَغِبَ فِي أَنَّهَا تَكُونُ أَيَّامَ الْبِيضِ سَأَلَ عَائِشَةَ هَلْ كَانَ يَخُصُّهُ بِالْبِيضِ فَقَالَتْ: لَا كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً يَعْنِي لَوْ جَعَلَهَا الْبِيضَ لَتَعَيَّنَتْ، وَدَاوَمَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ دَائِمًا لَكِنْ أَرَادَ التَّوْسِعَةَ لِعَدَمِ تَعْيِينِهَا فَكَانَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِ الشَّهْرِ صَامَهَا كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا كَانَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمَا يُبَالِي مِنْ أَيِ الشَّهْرِ صَامَ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ حِبَّانَ حَدِيثَ الْبَابِ وَحَدِيثَ عَائِشَةَ فِي صِيَامِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَحَدِيثَ كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَيْنَهَا تَعَارُضًا، وَلَمْ يُفْصِحْ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ بِفَضْلِهِ كَذَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ شَارِحٌ: فَإِنْ قِيلَ الْجَوَابُ فِي مُقَابَلَةِ السَّائِلِ إِمَّا نَعَمْ أَوْ لَا قُلْنَا هَذَا جَوَابٌ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ ; لِأَنَّهُ جَوَابٌ عَنِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ، وَعَنْ سُؤَالٍ آخَرَ مُقَدَّرٍ لِأَنَّ دَوَامَ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ الْبِيضِ، وَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمِ الْخَمِيسِ بِالصَّوْمِيَسْتَلْزِمُ اخْتِصَاصَهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ بِالصَّوْمِ مَعَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ (وَأَيُّكُمْ) جَزَمَ ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِلشَّارِحِ أَنَّ الْخِطَابَ لِلصَّحَابَةِ، وَأَنَّ غَيْرَهُمْ يُفْهَمُ بِالْأَوْلَى، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ السَّائِلَ مِنْ جُمْلَةِ التَّابِعِينَ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى وَأَيُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِكُمْ أَيُّهَا الصَّحَابَةُ، وَالتَّابِعُونَ أَوِ الْأَئِمَّةُ (يُطِيقُ مَا) أَيِ: الْعَمَلَ الَّذِي (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطِيقُ) أَيْ: يُطِيقُهُ وَيُدَاوِمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت