خَصَفَةٍ، وَوِسَادَةٍ مِنْ لِيفٍ، وَنَحْوَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ.
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غُرْفَةٍ كَأَنَّهَا بَيْتُ حَمَامٍ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى حَصِيرٍ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ يَنَامُونَ عَلَى الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ، وَأَنْتَ نَائِمٌ عَلَى هَذَا الْحَصِيرِ قَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِكَ، فَقَالَ: لَا تَبْكِ، فَإِنَّ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ.
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - دَخَلَا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ مُزَمَّلٍ بِالْبَرْدِيِّ، وَهُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ أَسْوَدُ حَشْوُهُ بِالْبَرْدِيِّ فَلَمَّا رَآهُمَا اسْتَوَى جَالِسًا فَنَظَرَاهُ فَإِذَا أَثَرُ السَّرِيرِ فِي جَنْبِهِ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُؤْذِيكَ خُشُونَةُ مَا نَرَى فِي فِرَاشِكَ وَسَرِيرِكَ، وَهَذَا كِسْرَى وَقَيْصَرُ عَلَى فِرَاشِ الْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقُولَا هَذَا، فَإِنَّ فِرَاشَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِي النَّارِ، وَإِنَّ فِرَاشِيَ، وَسَرِيرِيَ هَذَا عَاقِبَتُهُ إِلَى الْجَنَّةِ ثُمَّ رَأَيْتُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعُرْيَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَيَنَامُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ، الْحَدِيثَ، فَهَذَا أَصْلٌ أَصِيلٌ لِلْعِصَامِ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ
(حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونَ قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ: الصَّادِقُ ابْنُ الْبَاقِرِ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) قَالَ مِيرَكُ: فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ انْقِطَاعٌ لِأَنَّ الْبَاقِرَ لَمْ يَلْقَ عَائِشَةَ، وَلَا حَفْصَةَ فَإِنَّ وِلَادَتَهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمَاتَتْ عَائِشَةُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَمَاتَتْ حَفْصَةُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ انْتَهَى.
وَقَدْ حَقَّقَ ابْنُ الْهُمَامِ أَنَّ الِانْقِطَاعَ مِنْ طَرِيقِ الثَّبَاتِ لَا يَضُرُّ فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَأَلَ سَائِلٌ عَائِشَةَ (مَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِكِ) وَلَعَلَّ وَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّ بَيْتَهَا كَانَ أَعَزَّ الْبُيُوتِ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ بَعْدَهَا حَفْصَةُ لِمَكَانِ أَبَوَيْهِمَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ بَقِيَّةِ كِمَالَاتِهِمَا (قَالَتْ: مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ) وَفِي نُسْخَةٍ أَدَمٌ بِالرَّفْعِ بِدُونِ كَلِمَةِ مِنْ ثُمَّ قِيلَ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ لَا لِأَدَمٍ ; لِأَنَّهُ جَمْعٌ ; وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صِفَةٌ لِأَدَمٍ لَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْفِرَاشُ مَصْنُوعًا مِنْ أَدَمٍ حَشْوُ ذَلِكَ الْأَدَمِ لِيفٌ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَدَمِ قَبْلَ الصُّنْعِ حَشْوٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَمَا صُنِعَ فِرَاشًا انْتَهَى.
وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنُ الْمَبْنَى، وَمُسْتَحْسَنُ الْمَعْنَى، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ: فِيهِ تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ جَمْعٌ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ لَاقْتَضَى إِلَى آخِرِهِ فِي هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ الَّتِي زَعَمَهَا نَظَرٌ بَلْ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْفِرَاشَ اسْمٌ لِمَا يُفْرَشُ، وَهُوَ يَكُونُ تَارَةً أَدَمًا، وَتَارَةً غَيْرَهُ، وَإِذَا كَانَ أَدَمًا فَتَارَةًيَكُونُ مَحْشُوًّا، وَتَارَةً يَكُونُ بِلَا حَشْوٍ فَبَيَّنَتْ بِقَوْلِهَا حَشْوُهُ لِيفٌ أَنَّهُ أَدَمٌ مَحْشُوٌّ لَا خَالٍ عَنِ الْحَشْوِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ، وَظَاهِرُ إِلَى آخِرِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ عَلَى كَوْنِهِ صِفَةً لِأَدَمٍ مَحْذُورٌ أَصْلًا انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُلَازَمَةَ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ بَلْ بَدِيهِيَّةٌ، فَإِنْكَارُهُ حَشْوٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُصَادَرَةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَابَرَةِ، وَالْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ سَابِقًا إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الْأَدَمُ اسْمَ جَمْعٍ، وَحَيْثُ أَنَّهُ جَمْعٌ فَلَا مُطَابَقَةَ بَيْنَ الضَّمِيرِ