يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَا عَدَا نَعْتَ الْأُلُوهِيَّةِ، وَوَصْفَ الرُّبُوبِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِلَى هَذِهِ الزُّبْدَةِ أَشَارَ صَاحِبُ الْبُرْدَةِ بِقَوْلِهِ: (
دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِمُ.... وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمُ
هَذَا وَقَوْلُهُ إِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ لِقَصْرِ الْقَلْبِ أَيْ: لَسْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَتِ النَّصَارَى أَوِ الْقَصْرُ فِيهِ إِضَافِيٌّ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ لَهُ أَوْصَافًا مِنَ الْكَمَالِ غَيْرُ الْعُبُودِيَّةِ، وَالرِّسَالَةُ مِنْهَا أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ الْفَارِضِ
أَرَى كُلَّ مَدْحٍ فِي النَّبِيِّ مُقَصِّرًا.... وَإِنْ بَالَغَ الْمُثْنِي عَلَيْهِ وَأَكْثَرَا
إِذَا اللَّهُ أَثْنَى بِالَّذِي هُوَ أَهْلُهُ.... عَلَيْهِ فَمَا مِقْدَارُ مَا يَمْدَحُ الْوَرَى
وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ: مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ:
مَا إِنْ مَدَحْتُ مُحَمَّدًا بِمَدِيحَتِي.... بَلْ إِنْ مَدَحْتُ مَدِيحَتِي بِمُحَمَّدٍ
أَقُولُ وَيَكْفِي فِي مَدْحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِجْمَالًا أَنَّهُ مُحَمَّدٌ يَحْمَدُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَأَنَّهُ أَحْمَدُ مَنْ حَمِدَ، وَأَحْمَدُ مَنْ حُمِدَ وَلَهُ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ وَاللِّوَاءُ الْمَمْدُودُ وَالْحَوْضُ الْمَوْرُودُ، وَالشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فِي يَوْمٍ مَشْهُودٍ.
آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ.... فَلَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ حَمْدِهِ وَثَنَائِهِ
ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ بَابِ تَوَاضُعِهِ حَيْثُ اقْتَصَرَ أَمْرُهُ عَلَى مُجَرَّدِ الرِّسَالَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ نَظَرًا إِلَى كَمَالِ نُعُوتِ رَبِّهِ مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّنَزُّلِ عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ بَلْ مِنْ بَابِ تَعْظِيمِ مَنْ فَوْقَهُ.
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (سُوِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ امْرَأَةً) أَيْ: كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا (جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً) أَيْ: أُرِيدُ أَنْأُخْفِيَهَا عَنْ غَيْرِكَ (فَقَالَ: اجْلِسِي فِي أَيِّ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ شِئْتِ) أَيْ: فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ طَرِيقِهَا نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ أَوْ بِمَعْنَى أَيِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ أَرَدْتِ (أَجْلِسْ) مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ أَيْ: أَقْعُدْ أَنَا فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ مُتَوَجِّهًا (إِلَيْكِ) أَوْ مَعَكِ حَتَّى أَقْضِيَ حَاجَتَكِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ انْظُرِي أَيِّ السِّكَكِ شِئْتِ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ