الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ الْجُلُوسِ فِي الطَّرِيقِ لِحَاجَةٍ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُؤْذِي أَوْ يَتَأَذَّى بِجُلُوسِهِ فِيهَا.
قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: نَقْلًا عَنِ الْمُهَلَّبِ لَمْ يُرِدْ أَنَسٌ أَنَّهُ خَلَا بِهَا بِحَيْثُ غَابَ عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، وَإِنَّمَا خَلَا بِهَا بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ شَكْوَاهَا مَنْ حَضَرَ مَعَهَا قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمَرْأَةِ، وَقَالَ مِيرَكُ: رَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِ مَنْ كَتَبَ الْحَوَاشِيَ عَلَى كِتَابِ الشِّفَاءِ أَنَّ اسْمَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي طَرِيقِ مُسْلِمٍ أُمُّ زُفَرَ مَاشِطَةُ خَدِيجَةَ، وَأَظُنُّهُ سَهْوًا فَإِنَّ أُمَّ زُفَرَ لَيْسَتْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَرِوَايَاتُ الْبُخَارِيِّ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا أَنْصَارِيَّةٌ حَتَّى وَرَدَ فِي رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ أَوْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ زَادَ بِهَذِهِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْمَرْأَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ غَيْرُ الْمَذْكُورَةِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لَكِنَّ الظَّاهِرَ اتِّحَادُ الْقِصَّةِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الرِّوَايَاتِ هَذَا وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ أَمَةٌ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَنْطَلِقَ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ.
وَلِأَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ فِي حَاجَتِهَا، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ إِنْ كَانَتِ الْوَلِيدَةُ مِنْ وَلَائِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَجِئُ فَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا حَتَّى تَذْهَبَ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ لَازِمُهُ وَهُوَ الرِّفْقُ وَالِانْقِيَادُ وَقَدِ اشْتَمَلَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّوَاضُعِ لِذِكْرِ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ، وَالْأَمَةِ دُونَ الْحُرَّةِ وَحَيْثُ عَمَّ بِلَفْظِ الْإِمَاءِ أَيْ: أَيَّ أَمَةٍ كَانَتْ، وَبِقَوْلِهِحَيْثُ شَاءَتْ أَيْ: مِنَ الْأَمْكِنَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْأَخْذِ بِالْيَدِ إِشَارَةٌ إِلَى غَايَةِ التَّصَرُّفِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ حَاجَتُهَا خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَالْتَمَسَتْ مِنْهُ مُسَاعَدَتَهَا فِي تِلْكَ الْحَاجَةِ لَسَاعَدَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَزِيدِ تَوَاضُعِهِ، وَبَرَاءَتِهِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكِبْرِ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِي لَهُ الْحَاجَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا صَبْرُهُ عَلَى الْمَشَقَّةِ فِي نَفْسِهِ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِجَابَتُهُ مَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً، وَبُرُوزُهُ لِلنَّاسِ وَقُرْبُهُ مِنْهُمْ لِيَصِلَ إِلَيْهِ ذَوُو الْحُقُوقِ إِلَى حُقُوقِهِمْ، وَيَسْتَرْشِدَ النَّاسُ بِأَقْوَالِهِ، وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ تَنْبِيهًا مِنْهُ لِحُكَّامِ أُمَّتِهِ، وَنَحْوِهِمْ عَلَى أَنْ يَقْتَدُوا بِهِ فِي ذَلِكَ.
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنْبَأَنَا) ، وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ مُخَفَّفًا (عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ) أَيِ: الْمَشْهُورُ بِهِ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُ الْمَرِيضَ) أَيْ: أَيَّ مَرِيضٍ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا شَرِيفًا أَوْ وَضِيعًا حَتَّى لَقَدْ عَادَ غُلَامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدِمُهُ، وَعَادَ عَمَّهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ الْأَوَّلُ، وَقِصَّتُهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْنُو مِنَ الْمَرِيضِ، وَيَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَيَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ، وَيَقُولُ كَيْفَ تَجِدُكَ أَوْ كَيْفَ أَصْبَحْتَ أَوْ كَيْفَ أَمْسَيْتَ أَوْ كَيْفَ هُوَ وَيَقُولُ