وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ هُوَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ذَكَرَهُ مِيرَكُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا لَكِنْ مَعَ تَخَالُفٍ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ وَأَحْمَدُ بِزِيَادَةٍ، وَلَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ (قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: فِي حَدِّ ذَاتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اخْتِلَافِ أَوْقَاتِهِ أَوْ حَالَاتِهِ (أَجْوَدَ النَّاسِ) أَيْ: أَسْخَاهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ (بِالْخَيْرِ) أَيْ: مَآلًا وَحَالًا فَالْخَيْرُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ حَالًا وَمَآلًا مِنْ بَذْلِ الْعِلْمِ وَالْخُلُقِ وَالْمَالِ وَالْجَاهِ إِفْضَالًا وَإِكْمَالًا فَكَانَ يَسْمَحُ بِالْمَوْجُودِ لِكَوْنِهِ مَطْبُوعًا عَلَى الْجُودِ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الْفَانِيَاتِ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ مُقْبِلًا عَلَى مَوْلَاهُ مُعْرِضًا عَمَّا سِوَاهُ فَكَانَ إِذَا وَجَدَ جَادَ وَإِذَا أَحْسَنَ أَعَادَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَعَدَ وَلَمْ يُخْلِفْ بِالْمِيعَادِ وَكَانَ يَجُودُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِمَا يَسُدُّخُلَّتَهُ وَيَشْفِي غُلَّتَهُ فَأَجْوَدُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْجُودِ، وَهُوَ إِعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي وَلَمَّا كَانَ نَفْسُهُ الْأَنْفَسُ أَشْرَفَ النُّفُوسِ الْأَقْدَسَ فَيَكُونُ أَخْلَاقُهُ أَفْضَلَ أَخْلَاقِ الْخَلَائِقِ فَيَكُونُ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَلَعَلَّ ذِكْرَ النَّاسِ بِالْخُصُوصِ لِكَوْنِهِ فَرْدًا مِنْهُمْ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) الرَّفْعُ فِي"أَجْوَدُ"أَجْوَدُ عَلَى مَا رُوِيَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَسْقَلَانِيُّ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ حَذْفًا وَاجِبًا إِذْ هُوَ نَحْوُ"أَخْطَبُ مَا يَكُونُ الْأَمِيرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ"وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ وَمَعْنَاهُ أَجْوَدُ أَكْوَانِهِ، وَفِي رَمَضَانَ فِي مَحَلِّ الْحَالِ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ حَاصِلٌ فَمَعْنَاهُ أَجْوَدُ أَكْوَانِهِ حَاصِلًا فِي رَمَضَانَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا"إِنَّ اللَّهَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ".
وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَاسْمُهُ ضَمِيرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَّةَ كَوْنِهِ فِي رَمَضَانَ أَجْوَدَ مِنْ نَفْسِهِ فِي غَيْرِهِ، وَقِيلَ كَانَ فِيهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَأَجُودُ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَصْدَرِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ وَخَبَرُهُ فِي رَمَضَانَ وَالْجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّصْبَ أَظْهَرُ وَالرَّفْعَ أَشْهَرُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الرَّفْعُ أَشْهَرُ وَالنَّصْبُ جَائِزٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ مَالِكٍ عَنْهُ فَخَرَّجَ الرَّفْعَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَالنَّصْبَ مِنْ وَجْهَيْنِ وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَمَالِيهِ لِلرَّفْعِ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ فَتَوَارَدَ مَعَ ابْنِ مَالِكٍ فِي وَجْهَيْنِ وَزَادَ ثَلَاثَةً وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى النَّصْبِ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيُرَجِّحُ الرَّفْعَ وُرُودُهُ بِدُونِ كَانَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ وَفَضَائِلِ الْقُرْآنِ قُلْتُ: إِذَا كَانَ مِنْ نَوَاسِخِ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فَالتَّرْجِيحُ بِوُجُودِ الرَّفْعِ عِنْدَ عَدَمِهَا لَا يَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ، وَقِيلَ الْوَقْتُ مُقَدَّرٌ أَيْ: كَانَ أَجْوَدُ أَوْقَاتِهِ وَقْتَ كَوْنِهِ فِي رَمَضَانَ وَإِسْنَادُ الْجُودِ إِلَى أَوْقَاتِهِ كَإِسْنَادِ الصَّوْمِ إِلَى النَّهَارِ وَالْقِيَامِ إِلَى اللَّيْلِ فِي قَوْلِكَ: نَهَارُهُ صَائِمٌ وَلَيْلُهُ قَائِمٌ لِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ وَجَمْعِ الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَا يُضَافُ إِلَى الْمُفْرَدِ (حَتَّى يَنْسَلِخَ) أَيْ: يَتِمَّ رَمَضَانُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ زِيَادَةَ جُودِهِ مِنْ أَثَرِ وُجُودِهِ كَانَتْ تَسْتَمِرُّ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ رَمَضَانَ إِلَى أَنْ يَنْسَلِخَ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ إِلَى أَصْلِ الْجُودِ الزَّائِدِ عَلَى جُودِ النَّاسِ جَمِيعًا وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ الْحَنَفِيُّ بِقَوْلِهِ أَيْ: كَمَالِ جُودِهِ كَانَ فِي تَمَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّمَامِ الْجَمِيعُ وَذَلِكَ مِنَ الْبَدِيعِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَدَرَ مِنْهُ بَعْدَ تَفْسِيرِ"يَنْسَلِخَ"