فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 616

بِـ"يَتِمَّ"فَتَأْوِيلُهُ لَا يَتِمُّ، وَإِنَّمَا كَانَ يَظْهَرُ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آثَارُ الْجُودِ فِي رَمَضَانَ أَكْثَرَ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْسِمُ الْخَيْرَاتِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَفَضَّلُ عَلَى عِبَادِهِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ مَا لَا يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَخَلِّقًا بِأَخْلَاقِ رَبِّهِ، فَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِأَجْوَدَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى أَسْرَعَ أَوْ لِكَوْنِ الْمُرْسَلَةِ يَنْشَأُ عَنْهَا جُودٌ كَثِيرٌ (فَيَأْتِيهِ جِبْرِيلُ) أَيْ: أَحْيَانًا فِي رَمَضَانَ، فَالْفَاءُ لِلتَّفْصِيلِ لَا كَمَا قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ لِلْمَقَامِ فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ زِيَادَةَ جُودِهِ إِنَّمَا كَانَتْ لِمُلَاقَاةِ جِبْرِيلَ، وَالظَّاهِرُ وُجُودُ زِيَادَةِ الْجُودِ فِي رَمَضَانَ مُطْلَقًا عَلَى سَائِرِ الزَّمَانِ، نَعَمْ يَزِيدُ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِ وَمُدَارَسَتِهِ الْقُرْآنَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَفِي أُخْرَى لَهُ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ يَلْقَاهُ، وَإِنْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَفِيهِ بَيَانُ سَبَبِ الْأَجْوَدِيَّةِ، وَهِيَ أَبْيَنُ مِنْ رِوَايَةِ حِينَ يَلْقَاهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَجْوَدِيَّةِ عَلَى سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ الرَّمَضَانِيَّةِ (فَيَعْرِضُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (عَلَيْهِ) أَيِ: النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (الْقُرْآنَ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ كَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ قِرَاءَةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ هِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ تَارَةً كَذَا وَتَارَةً كَذَا بِحَسَبِ الْمَقَامِ وَالْمَرَامِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْمُعْتَادَ قِرَاءَةُ جِبْرِيلَ وَسَمَاعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا قِرَاءَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَمَاعُ أَصْحَابِهِ وَهَكَذَا طَرِيقَةُ الْمُحَدِّثِينَ مِنَ السَّلَفِ، وَأَمَّا الْخَلَفُ فَاخْتَارُوا أَنَّ التِّلْمِيذَ يَقْرَأُ وَالشَّيْخَ يَسْمَعُهُ لِعَدَمِ الْقَابِلِيَّةِ الْكَامِلَةِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ مِيرَكُ: وَفَاعِلُ يَعْرِضُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ وَضَمِيرُ عَلَيْهِ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ وَيَحْتَمِلُ الْعَكْسَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّهُ تَرْجَمَ بِلَفْظِ"كَانَ جِبْرِيلُ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: هَذَا عَكْسُ مَا وَقَعَ فِي التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْرِضُ عَلَى جِبْرِيلَ وَكَانَ الْبُخَارِيُّ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ بِلَفْظِ"كَانَ جِبْرِيلُ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ"فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَعْرِضُ عَلَى الْآخَرِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا بِلَفْظِ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، وَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ قَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ إِذِ الْمُدَارَسَةُ وَالْمُعَارَضَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَأَفَادَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَارَةً يَقْرَأُ وَيَسْمَعُ الْآخَرُ قَالَ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ أَيْ رَمَضَانُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ يَلْقَاهُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِرَمَضَانَ بَعْدَالْهِجْرَةِ، وَإِنْ كَانَ صِيَامُ شَهْرِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت