فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 616

بِأَنَّ عَادَةَ الصِّدِّيقِ أَيْضًا كَانَتْ عَلَى وَفْقَ عَادَةِ النَّبِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ إِلَّا حِينَ يَخْرُجُ (فَقَالَ خَرَجْتُ أَلْقَى) أَيْ: لَعَلِّي أَلْقَى (رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: أُرِيدُ ذَلِكَ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ. (وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ) بِالنَّصْبِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ، قَالَ مِيرَكُ: بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلَى الْفِعْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ، أَيْ: أَلْقَى وَأَنْظُرُ وَأُرِيدُ التَّسْلِيمَ عَلَيْهِ، وَبِالْجَرِّ أَيْ: وَأَتَشَرَّفُ بِالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ عَطْفٌ بِحَسَبِ الْمَعْنَى عَلِّي أَلْقَى أَيْ: لِلِقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ انْتَهَى، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النَّصْبَ بِـ"أُسَلِّمُ"أَوْ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى أَيْ: أُرِيدُ اللِّقَاءَ وَالنَّظَرَ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ نِيَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ يَتَعَدَّدُ بِقَدْرِهَا الثَّوَابُ وَيَرْتَفِعُ بِمِقْدَارِهَا الْحِجَابُ (فَلَمْ يَلْبَثْ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (أَنْ جَاءَ عُمَرُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ أَيْ: لَمْ يَمْكُثِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَنًا يَسِيرًا إِلَّا وَعُمَرُ قَدْ جَاءَ إِلَيْهِمَا، وَجَعَلَ ضَمِيرَ يَلْبَثُ لِعُمَرَ أَيْ: مَجِيئُهُ بَعِيدٌ وَيُؤَيِّدُ عَوْدَ الضَّمِيرِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لِأَبِي بَكْرٍ قَوْلُهُ الْآتِي: فَلَمْ يَلْبَثُوا كَذَا أَفَادَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَمْرِيَّةٍ فِيهِ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ هُنَا أَنَّ الْمَصْدَرَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ هُوَ الْفَاعِلُ لِيَلْبَثَ، أَيْ: فَلَمْ يَلْبَثْ مَجِيءُ عُمَرَ بَلْ جَاءَ عُمَرُ سَرِيعًا بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى قَدْرِ مَكَانِهِمَا فِي زَمَانِهِمَا، وَأَمَّا جَعْلُ ضَمِيرِ"يَلْبَثْ"لِمَجِيءِ عُمَرَ فَخَطَأٌ فَاحِشٌ إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ فَلَمْ يَلْبَثْ مَجِيءُ عُمَرَ أَنْ جَاءَ عُمَرُ، فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ قَالَ الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ: جَاءَ بِي الْجُوعُ أَوِ الْجُوعُ جَاءَ بِي، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا أَرَادَهُ الصِّدِّيقُ مِنَ اللُّقِيِّ وَالنَّظَرِ وَالتَّسْلِيمِ فَكَأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْبَاعِثُ الْأَصْلِيُّ أَنَّهُ غَيْرُ وَقْتِ عَادَةِ خُرُوجِهِ أَيْضًا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ) أَيِ: الْجُوعَ، وَفِي نُسْخَةٍ: ذَلِكَ بِغَيْرِ لَامٍ، وَفِيهِإِيمَاءٌ إِلَى تَجَاذُبِ الْقُلُوبِ بِتَوْفِيقِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ، وَتَوَافُقِ الْحَالِ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ، ثُمَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا: فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا. فَقِيلَ هُمَا قَضِيَّتَانِ أَوْ لَمَّا جَاءَ عُمَرُ وَذَكَرَ الْجُوعَ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ أَيْضًا، وَبَعْضُ الزِّيَادَاتِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَحْذُوفَةٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ جَائِعًا فَلَمْ يَجِدْ فِي أَهْلِهِ شَيْئًا يَأْكُلُهُ وَأَصْبَحَ أَبُو بَكْرٍ جَائِعًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ: عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ: آتِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَلِّي أَجِدُ عِنْدَهُ شَيْئًا آكُلُهُ، فَأَتَاهُ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا أَبَا بَكْرٍ أَصْبَحْتَ جَائِعًا فَلَمْ تَجِدْ شَيْئًا تَأْكُلُهُ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ اقْعُدْ وَأَصْبَحَ عُمَرُ... الْحَدِيثَ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رُئِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوْضِعٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْرَجَكَ؟ فَقَالَ الْجُوعُ، قَالَ وَأَنَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ أَخْرَجَنِي الْجُوعُ، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ... الْحَدِيثَ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ لِكَمَالِ الْإِيثَارِ، فَفَقْرُهُمْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى طَرِيقِ الِاضْطِرَارِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت