قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا فَقُلْتُ لَا يَا رَبِّ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ. رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ ذَلِكَ لِيَكُونَ مَقَامُهُ فِي دَرَجَةِ الْكَمَالِ وَحَالُهُ بَيْنَ تَرْبِيَتَيْ صِفَتَيِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ وَجِبْرِيلُ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا جِبْرِيلُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْسَى لِآلِ مُحَمَّدٍ سُفَّةٌ مِنْ دَقِيقٍ، وَلَا كَفٌّ مِنْ سَوِيقٍ فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ سَمِعَ هَدَّةً مِنَ السَّمَاءِ أَفْزَعَتْهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ اللَّهُ الْقِيَامَةَ أَنْ تَقُومَ؟ قَالَ لَا وَلَكِنَّ إِسْرَافِيلَ نَزَلَ إِلَيْكَ حِينَ سَمِعَ كَلَامَكَ، فَأَتَاهُ إِسْرَافِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَمِعَ مَا ذَكَرْتَ فَبَعَثَنِي إِلَيْكَ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ أُسَيِّرُ مَعَكَ جِبَالَ تِهَامَةَ زُمُرُّدًا وَيَاقُوتًا وَذَهَبًا وَفِضَّةً فَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ تَوَاضَعْ، فَقَالَ نَبِيًّا عَبْدًا ثَلَاثًا فَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، لَكِنْ قَالَ الْحَلِيمِيُّ كَمَا فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ تَعْظِيمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُوصَفَ بِمَا هُوَ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ أَوْصَافِ الضِّعَةِ، فَلَا يُقَالُ: كَانَ فَقِيرًا: وَنَقَلَ السُّبْكِيُّ عَنِ الشِّفَاءِ وَأَقَرَّهُ أَنَّ فُقَهَاءَ الْأَنْدَلُسِ أَفْتَوْا بِقَتْلِ مَنِ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمَّاهُ أَثْنَاءَ مُنَاظَرَتِهِ بِالْيَتِيمِ، وَزَعَمَ أَنَّ زُهْدَهُ لَمْ يَكُنْ قَصْدًا، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الطَّيِّبَاتِ لَأَكَلَهَا، وَأَمَّا خَبَرُ الْفَقْرِ فَخْرِيٌّ وَبِهِ افْتَخَرَ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ عَلَى مَا صَرَّحَبِهِ الْحُفَّاظُ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْأَلَمِ وَنَحْوِهِ مِنْ حِكَايَةِ الْجُوعِ وَقِلَّةِ الْمَأْكُولِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَالتَّوَكُّلَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ شَكْوًى أَوْ جَزَعًا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ فَتْحِ الْفُتُوحِ، وَهَذَا زَعْمٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، فَإِنْ قِيلَ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ رَاوِيًا أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَ الْقَضِيَّةَ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَهَا، قُلْنَا هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَلَا ضَرُورَةَدَاعِيَةٌ إِلَيْهِ، نَعَمْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَقَلَّبُ فِي الْيَسَارِ تَارَةً، وَفِي الْعَسَارِ أُخْرَى كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ وَتُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ فِي دَيْنٍ اسْتَدَانَهُ لِأَهْلِهِ فَكَانَ إِذَا أَيْسَرَ يَنْفَدُ مَا عِنْدَهُ لِإِخْرَاجِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَكَذَا كَانَ خُلُقُ صَاحِبَيْهِ، بَلْ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ (فَانْطَلَقُوا) أَيْ: ذَهَبُوا وَتَوَجَّهُوا (إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ) وَاسْمُهُ مَالِكٌ (ابْنِ التِّيهَانِ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ، وَهُوَ لَقَبٌ وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَقِيلَ عَتِيكُ بْنُ عَمْرٍو (الْأَنْصَارِيِّ) قِيلَ هُوَ قُضَاعِيُّ، وَإِنَّمَا هُوَ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، فَالْقَضِيَّةُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمَا، وَعَلَى كُلٍّ فَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إِذْ أَهَّلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ وَجَعَلَهُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ صَدِيقِكُمْ (وَكَانَ) أَيْ: أَبُو الْهَيْثَمِ (رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ) وَاحِدُهُ نَخْلَةٌ وَزِيدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالشَّجَرِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ (وَالشَّاءِ) بِالْهَمْزِ جَمْعُ شَاةٍ بِالتَّاءِ فَفِي النِّهَايَةِ أَصْلُ الشَّاةِ