وَاوٍ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ وُجُودَ الْوَاوِ ظَهَرَ فِي إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَالِيَّةَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ لِي (وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ) أَيْ: عَلَى وَجْهِ الشِّبَعِ (ذُو كَبِدٍ) أَيْ: حَيَوَانٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّتِهِ (إِلَّا شَيْءٌ) أَيْ: قَلِيلٌ جِدًّا (يُوَارِيهِ) أَيْ: يَسْتُرُهُ (إِبِطُ بِلَالٍ) فَكَنَّى بِالْوَارِدَةِ تَحْتَ الْإِبِطِ عَنِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَعَنْ عَدَمِ مَا يُجْعَلُ مِنْ ظَرْفٍ وَشَبَهِهِ مِنْ مِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِ، وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَهُ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي وَكَانَ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ تَمُرُّ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلَمْ يَكُنْ لِي طَعَامٌ وَكُسْوَةٌ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِلَالٌ رَفِيقِي، وَمَا لَنَا شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ قَلِيلٌ بِقَدْرِ مَا يَأْخُذُهُ بِلَالٌ تَحْتَ إِبِطِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ظَرْفٌ نَضَعُ الطَّعَامَ فِيهِ، وَاعْلَمْ أَنِّي رَأَيْتُ بِخَطِّ مِيرَكَ عَنِ السَّيِّدِ أَصِيلِ الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ سُكُونَ الْبَاءِ فِي إِبِطٍ، وَمَا سَمِعْنَا بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَيَقُولُونَ بِهَا أَهْلُ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ انْتَهَى، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الرِّوَايَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ الْكَسْرُ أَيْضًا فِي اللُّغَةِ فَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْإِبِطُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِهَا مَا تَحْتَ الْجَنَاحِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَالْجَمْعُ آبَاطٌ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْإِبِطُ بَاطِنُ الْمَنْكِبِ وَبِكَسْرِ الْبَاءِ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ هَذَا، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ أَيْضًا، وَقَالَ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلَالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُهُ تَحْتَ إِبِطِهِ.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (عُثْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَهُ غَدَاءٌ) بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ فَمُهْمَلَةٍ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْكَلُ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَيُسَمَّى السُّحُورُ غَدَاءً؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَدَاءِ الْمُفْطِرِ (وَلَا عَشَاءٌ) وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ: مَا يُؤْكَلُ عِنْدَ الْعَشَاءِ، وَأَرَادَ بِالْعَشَاءِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَشَاءِ مَا يُؤْكَلُ آخِرَ النَّهَارِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَكْلُهُمْ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ سُمِّيَ الْعَشَاءَ وَقَيَّدَهُ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ اللَّيْلِ، وَإِلَّا فَالْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ الْمُرَادُ بِهِ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، إِذْ إِطْلَاقُ الْعِشَاءِ عَلَى الْمَغْرِبِ مَجَازٌ، وَقَوْلُهُمْ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ تَغْلِيبٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ (إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَالْعِشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ) فَيَعُمُّ الْحُكْمُ لَهُمَا، إِذِ الْغَرَضُ فَرَاغُ الْخَاطِرِ عَنْ تَوَجُّهِ النَّفْسِ إِلَى السِّوَى وَتَوْجِيهُ الْقَلْبِ إِلَى الْمَوْلَى، وَلِذَا قِيلَ: طَعَامٌ مَخْلُوطٌ بِالصَّلَاةِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ مَخْلُوطَةٍ بِالطَّعَامِ (مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ) أَيْ: لَا يَجْتَمِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي خُبْزٍ وَلَحْمٍ، وَالْمَعْنَى لَا يُوجَدَانِ اثْنَانِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، بَلْ إِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فُقِدَ الْآخَرُ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ"مِنْ"زَائِدَةٌ أَوْ لَا يُوجَدُ مَزِيدٌ لِلْمُبَالَغَةِ (إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْأُولَى، أَيْ: عَلَى حَالٍ نَادِرٍ، وَهُوَ تَنَاوُلُهُ مَعَ ضَيْفِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ (قَالَ بَعْضُهُمْ) أَيْ: مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَاللُّغَوِيِّينَ (هُوَ) أَيِ: الضَّفَفُ (كَثْرَةُ الْأَيْدِي) وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا، وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ: الضَّفَفُ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ، وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ كَثْرَةُ الْعِيَالِ وَأَنْشَدَ.
لَا ضَفَفَ يَشْغَلُهُ وَلَا ثِقَلُ.
أَيْ لَا يَشْغَلُهُ عَنْ حَجِّهِ وَنُسُكِهِ عِيَالٌ، وَلَا مَتَاعٌ، وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: سَأَلْتُ بَدَوِيًّا فَقَالَ: تَنَاوُلًا مَعَ النَّاسِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: كَثْرَةُ الْأَيْدِي مَعَ النَّاسِ