مَاتَ شَهِيدًا مِنَ السُّمِّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ وَأَخْطَأَ مَنْ فَتَحَ إِذْ لَمْ يَأْكُلْ إِلَّا لُقْمَةً وَاحِدَةً، قُلْتُ: لَا وَجْهَ لِلتَّخْطِئَةِ فَإِنَّهَا أُورِدَتْ بِهَا الرِّوَايَةُ، وَهِيَ مُسْتَقِيمَةٌ بِحَسَبِ الدِّرَايَةِ إِذْ أَكْلُ اللُّقْمَةِ الْوَاحِدَةِ تُسَمَّى مَرَّةً مِنَ الْأَكْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) بِالتَّصْغِيرِ (وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَشَفَ السِّتَارَةَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهَا أَيْ: رَفَعَهَا (يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ فَخَبَرُ الْآخَرِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ (كَشَفَ السِّتَارَةَ) فَهُوَ سَادٌّ مَسَدَّ الْخَبَرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ"آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى وَجْهِهِ حِينَ كَشَفَ السِّتَارَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ"عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِـ"آخِرُ"بِاعْتِبَارِ تَقْدِيرِ زَمَانٍ فِي أَوَّلِ الْآخِرِ وَوَجْهُهُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ قَالَ مِيرَكُ: إِنَّهُ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ تَأَمَّلْ، وَلَا تَكْسَلْ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي (نَظَرْتُهَا) لِلنَّظْرَةِ فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ أَظُنُّهُ مُنْطَلِقٌ بِرَفْعِ (مُنْطَلِقٌ) ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ الْمَنْصُوبَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَا مَفْعُولٌ بِهِ فَإِنَّهُ رَاجِعٌإِلَى الظَّنِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقَوْلُهُ كَشَفَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَعْلُومِ حَالٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قَالَهُ مِيرَكُ بِتَقْدِيرِ"قَدْ"كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ بِدُونِهَا كَمَا جَوَّزَهُ آخَرُونَ فَانْدَفَعَ بِهَذَا التَّقْدِيرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ التَّحْرِيرِ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ كَشَفَ وَقَعَ لَفْظًا خَبَرًا عَنْ"آخِرُ"مِنْ غَيْرِ رَابِطٍ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ بِمَا يُصَحِّحُهُ كَأَنْ يُقَالَ: أُرِيدَ بِكَشْفِهَا زَمَنُ كَشْفِهَا، وَعَجِبَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَالٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ الْإِشْكَالِ، وَلَا لِخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ أَصْلًا انْتَهَى، وَوَجْهُ الدَّفْعِ لَا يَخْفَى، ثُمَّ قَالَ: وَالْقِيَاسُ نَصْبُ"آخِرُ"بِـ (نَظَرْتُهَا) ، وَنَظِيرُهُ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ قُلْتُ: وَفِي تَنْظِيرِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إِذْ ضَمِيرُ (نَظَرْتُهَا) لَيْسَ رَاجِعًا إِلَى الْمَفْعُولِ بِهِ الَّذِي هُوَ الْمُضَافُ إِلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ مَا فِي الْآيَةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الدِّرَايَةِ مَعَ أَنَّ الْأُصُولَ الْمُصَحَّحَةَ فِي الرِّوَايَةِ مُطْبِقَةٌ عَلَى رَفْعِ لَفْظِ الْآخِرِ فَتَعَيَّنَ رَفْعُ الْآخِرِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا زَعْمُ أَنَّ (نَظَرْتُهَا) خَبَرٌ آخَرُ فَهُوَ إِنَّمَا صَدَرَ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ إِلْمَامٌ بِشَيْءٍ مِنَ النَّحْوِ (فَنَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍبِكَسْرِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ الْمُصْحَفُ مُثَلَّثَةُ الْمِيمِ مِنْ أُصْحِفُ بِالضَّمِّ أَيْ: جَعَلْتُ فِيهِ الصُّحُفَ، وَقَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ: الصَّحِيفَةُ الْكِتَابُ وَالْجَمْعُ صُحُفٌ وَصَحَائِفُ وَقَدِ اسْتَثْقَلَتِ الْعَرَبُ الضَّمَّةَ فِي حُرُوفٍ فَكَسَرُوا مِيمَهَا، مِنْ ذَلِكَ: مِصْحَفٌ وَمِخْدَعٌ وَمِطْرَفٌ وَنَحْوُهَا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُصْحَفُ فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ ضَمُّ الْمِيمِ وَكَسْرُهَا وَفَتْحُهَا، وَالْأَوَّلَانِ مَشْهُورَانِ، كَذَا فِي التِّبْيَانِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَشْهَرُ ضَمُّهَا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكَسْرُهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ بَلِ الْكَسْرُ شَاذٌّ كَالْفَتْحِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّ كَسْرَهَا الْأَشْهَرُ بَلْ قَالَ إِنَّهُ مَشْهُورٌ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا فِي الصِّحَاحِ مَسْطُورٌ.
ثُمَّ وَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ حُسْنُ الْبَشْرَةِ وَصَفَاءُ الْوَجْهِ وَاسْتِنَارَتُهُ وَبَهَاءُ النَّظَرِ وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ فِي قَوْلِهِ: الْوَجْهُ هُوَ الْإِهْدَاءُ وَالْهِدَايَةُ، وَلَا يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مُتَعَلِّقًا بِظَاهِرِ الصُّورَةِ انْتَهَى، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِلَا يَخْفَى (وَالنَّاسُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: فِي الصَّلَاةِ وَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوا