الصَّلَاةَ مِنْ كَمَالِ الْفَرَحِ بِطَلْعَتِهِ الْمُشْعِرِ بِعَافِيَتِهِ وَأَرَادُوا أَنْ يُعْطُوهُ الطَّرِيقَ إِلَى الْمِحْرَابِ (فَأَشَارَ إِلَى النَّاسِ أَنِ اثْبُتُوا) بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا أَيْ: كُونُوا ثَابِتِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْقِيَامِ فِي الصَّفِّ (وَأَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّهُمْ) أَيْ: فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَشْعُرْ بِالْكَشْفِ إِذْ ثَبَتَ عَلَى حَالِهِ وَمَقَامِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَرْبَابِ التَّمْكِينِ فِي الدِّينِ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَرْتَبَتِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْيَقِينِ (وَأَلْقَى) أَيْ: أَرْخَى (السَّجْفَ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا كَذَا ضُبِطَ فِي الْأَصْلِ مَعًا وَاقْتَصَرَ الْحَنَفِيُّ عَلَى الْكَسْرِ فَفِي الْقَامُوسِ: السَّجْفُ وَيُكْسَرُ السَّتْرُ زَادَ فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ إِذَا كَانَ مَشْقُوقَ الْوَسَطِ (وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَالْيَوْمِ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَيْ: يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَهَذَا يُنَافِي جَزْمَ أَهْلِ السِّيَرِ بِأَنَّهُ مَاتَ حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى كَمَا سَبَقَ عَنْ جَامِعِ الْأُصُولِ بَلْ وَحُكِيَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ لَكِنْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْآخَرِ بِمَعْنَى ابْتِدَاءِ الدُّخُولِ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ النَّهَارِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الزَّوَالِ وَاشْتِدَادِ الضُّحَى يَقَعُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَسْتَمِرُّ فِيهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالُ الشَّمْسِ، وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ وَكَذَا لِأَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ، قُلْتُ: وَأَيْضًا فِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى أَنَّ تَحَقُّقَ الزَّوَالِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْكَمَالِ كَمَا فِي آيَةِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ إِشَارَةً إِلَيْهِ وَدَلَالَةً عَلَيْهِ قَالَ مِيرَكُ: وَيُمْكِنُ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى تَحَقُّقِ وَفَاتِهِ عِنْدَ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: يُجْمَعُ بِأَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْجَامِعِ بِاعْتِبَارِ ابْتِدَاءِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَمَا ذَكَرَهُ المص بِاعْتِبَارِ انْقِطَاعِ الْحَيَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ، قُلْتُ: هَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا لِعَدَمِ ثُبُوتِ طُولِ نَزْعِهِ بَلْ صَحَّ وُجُودُ شُعُورِهِ إِلَى النَّفَسِ الْأَخِيرِ إِلَى أَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى، هَذَا وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ لَكِنْ بِلَفْظِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَمَا هُمْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِهِمْ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ بِالصَّفِّ وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ أَنَسٌ وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُفْتَنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فَتُوُفِّيَ فِي يَوْمِهِ، وَفِي أُخْرَى لَهُ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا ثَلَاثًا فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ فَرَفَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحِجَابَ فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا وَجْهُهُ مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا قَطُّ كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْهُحِينَ وَضَحَ فَأَوْمَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَأَرْخَى الْحِجَابَ... الْحَدِيثَ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ