فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 616

الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ أَيْ: كَلَامًا عُرْفِيًّا فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ أَفْرِجُوا لِي.

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: فَلَمْ يُكَلِّمْ مَنْ بِالْمَسْجِدِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَتَيَمَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ: قَصَدَهُ بِوَضْعِ وَجْهِهِ عَلَيْهِ وَالتَّمَسُّحِ بِهِ تَبَرُّكًا إِلَيْهِ، وَهُوَ مُسَجًّى بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ: مُغَطًّى بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ كَعِنَبَةٍ نَوْعٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، وَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مِتَّهَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَنَفْيُهُ الْمَوْتَتَيْنِ إِمَّا حَقِيقَةً رَدًّا عَلَى عُمَرَ فِي قَوْلِهِ مَا مَرَّ إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُ يَمُوتُ مَوْتَةً أُخْرَى، وَهُوَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَهُمَا عَلَيْهِ كَمَا جَمَعَهُمَا عَلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ وَكَذَا عَلَى الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ، قُلْتُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ عُزَيْرًا وَاخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ لَكِنْ كَانَ لَهُ هَذَا الْأَمْرُ تَقْرِيرًا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَهَذَا أَوْضَحُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمُوتُ مَوْتَةً أُخْرَى فِي الْقَبْرِ كَغَيْرِهِ قُلْتُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِي قَبْرِهِ ثَانِيًا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لِلْمَوْتَى عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى غَشَيَانٌ كَالْأُولَى وَأَوَّلُ مَنْ يُفِيقُ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْهِ بَيْنَ مَوْتِ نَفْسِهِ وَمَوْتِ شَرِيعَتِهِ، وَقِيلَ الْمَوْتَةُ الثَّانِيَةُ الْكَرْبُ أَيْ: لَا تَلْقَى بَعْدَ كَرْبِ هَذَا الْمَوْتِ كَرْبًا آخَرَ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ لَمَّا قَالَتْ: وَاكَرْبَاهْ لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ (فَقَالَ) أَيْ: أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ الْمَقَالِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَالَ بِمَعْنَى قَرَأَ (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) يَعْنِي قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْكَ فِي كِتَابِهِ أَنَّكَ سَتَمُوتُ وَأَنَّ أَعْدَاءَكَ أَيْضًا سَيَمُوتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فَقَوْلُهُ حَقٌّ وَوَعْدُهُ صِدْقٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ إِنَّ الْجَائِيَ هُوَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْمُصَدِّقَ أَبُو بَكْرٍ، وَلِذَا سُمِّيَ بِالصَّدِّيقِ (ثُمَّ قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ - قَالَ نَعَمْ فَعَلِمُوا أَنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ أَيْ: أَنَّهُ (قَدْ صَدَقَ) لِكَوْنِهِ قَطُّ فِي عُمُرِهِ مَا كَذَبَ فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي هَذِهِ الْمُصِيبَةِ وَقَعُوا فِي حَيْرَةٍ مَهِيبَةٍ فَبَعْضُهُمْ خَبَلَ كَعُمَرَ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَبَعْضُهُمْ أُقْعِدَ فَلَمْ يُطِقِ الْقِيَامَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ بَلْ أَضْنَى فَمَاتَ كَمَدًا وَبَعْضُهُمْ أُخْرِسَ فَلَمْ يُطِقِ الْكَلَامَ كَعُثْمَانَ وَكَانَ أَثْبَتَهُمْ أَبُو بَكْرٍ جَاءَ وَعَيْنَاهُ تُهْمِلَانِ وَزَفَرَاتُهُ تَتَصَاعَدُ مِنْ حَلْقِهِ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَانْقَطَعَ لِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَعَظُمْتَ عِنْدَ الصِّفَةِ وَجَلَلْتَ عَنِ الْبُكَاءِ وَلَوْ أَنَّ مَوْتَكَ كَانَ اخْتِيَارًا لَجُدْنَا لِمَوْتِكَ بِالنُّفُوسِ اذْكُرْنَا يَا مُحَمَّدُ عِنْدَ رَبِّكَ وَلْنَكُنْ مِنْ بَالِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ أَصَابَهُ حُزْنٌ شَدِيدٌ فَمَا زَالَ يُحْرَى بَدَنُهُ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَيْ: يَذُوبُ وَيَنْقُصُ ذَكَرَهُ الدُّمَيْرِيُّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ قَامَ يَقُولُ وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَبَّلَهُ فَقَالَ بِأَبِي وَأُمِّي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت