حِينَئِذٍ إِلَى الْحَضْرَةِ الْقُدُسِيَّةِ مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمَّا رَأَتْ شِدَّةَ كَرْبِهِ قَالَتْ: وَاكَرْبَاهْ مُسْنِدَةً إِلَى نَفْسِهَا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُلَاءَمَةِ الْبَاطِنَةِ فَسَلَّاهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْقَوْلِ وَبَيَّنَ لَهَا أَنَّ كَرْبَ أَبِيهَا سَرِيعُ الزَّوَالِ مُنْتَقِلٌ إِلَى حُسْنِ الْحَالِ فَأَنْتِ أَيْضًا لَا تَكْرَبِي فَإِنَّ مِحَنَ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ وَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمِنَحِ الْبَاقِيَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ أَيْضًا إِلَى هُنَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعَدُّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْكَرْبِ أَنَّ كَرْبَهُ كَانَ شَفَقَةً عَلَى أُمَّتِهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ وُقُوعِالِاخْتِلَافِ وَالْفِتَنِ بَعْدَهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَنْقَطِعَ شَفَقَتُهُ عَلَى أُمَّتِهِ بِمَوْتِهِ وَالْوَاقِعُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَأَعْمَالُهُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِوَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرْبِ مَا يَجِدُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شِدَّةِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّا يُصِيبُ جَسَدَهُ مِنَ الْآلَامِكَالْبَشَرِ لِيَتَضَاعَفَ لَهُ الْأَجْرُ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ سَبَبِ الْكَرْبِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا.
(أَنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (قَدْ حَضَرَ) أَيْ: قَرُبَ مِنْ أَبِيكِ أَيْ: مِنْ أَمْرِهِ (مَا) أَيْ: أَمْرٌ عَظِيمٌ (لَيْسَ) أَيِ: اللَّهُ (بِتَارِكٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ (أَحَدًا) وَقَوْلُهُ (الْوَفَاةُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ الْمَمَاتُ ضِدُّ الْحَيَاةِ بَيَانٌ لِمَا، وَقَوْلُهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَهُوَ كَلِمَةُ إِلَى وَجَوَّزَ أَنَّهُ يَكُونُ مَفْعُولًا فِيهِ وَيُرَادُ بِهِ يَوْمُ الْوَفَاةِ؛ لِأَنَّ يَوْمَ مَوْتِ كُلِّ أَحَدٍ يَوْمُ قِيَامَتِهِ كَمَا وَرَدَ (مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ) .
وَالْجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ وَتَقْرِيرٌ لِمَا فِي ذِهْنِ الزَّهْرَاءِ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ عَامٌّ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ الْمُوَافَاةُ بَدَلَ الْوَفَاةِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْإِتْيَانِ وَالْمُلَاقَاةِ، وَفِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُوَافَاةَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْوَفَاةِ، قِيلَ: وَقَدْ يُفَسَّرُ الْمُوَافَاةُ هُنَا بِالْوَفَاةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَحْسَنُ يُقَالُ: مِنْ أَبِيكِ أَيْ: مِنْ جِسْمِهِ مَا أَيْ: شَيْءٌ عَظِيمٌ لَيْسَ اللَّهُ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا وَذَلِكَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ هُوَ الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيِ: الْحُضُورُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الْمُسْتَلْزِمَ لِلْمَوْتِ.
وَقَالَ مِيرَكُ: مَا مَوْصُولَةٌ فَاعِلُ حَضَرَ، وَفِي لَيْسَ ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَيْهِ أَيْضًا، وَالْوَفَاةُ بَدَلٌ مِنْ فَاعِلِ حَضَرَ وَبَيَانٌ لَهُ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ فَاعِلٌ بِتَارِكٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعَالَى وَضَمِيرُ مِنْهُ رَاجِعٌ إِلَى مَا وَأَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ مَا، وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَتْرُكُ أَحَدًا إِلَّا يُصِيبُهُ الْمَوْتُ، وَعَلَى الثَّانِي أَنَّهُحَضَرَ عَلَى أَبِيكِ مَا لَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا لَا يُصِيبُهُ ذَلِكَ، وَفِي نُسْخَةٍ الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ مِيرَكُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ مَكْسُورَةً وَيَكُونَ خَبَرٌ مُقَدَّرٌ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِلَيْسَ بِتَارِكٍ عَلَى إِرَادَةِ أَنَّ وُرُودَ الْمَوْتِ عَلَى الْكُلِّ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ إِتْيَانُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَوْمِ جَزَائِهِمْ. انْتَهَى، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ مَفْتُوحَةً وَحِينَئِذٍ تَكُونُ اللَّامُ الِابْتِدَائِيَّةُ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: حُكْمٌ مُقَرَّرٌ وَأَمْرٌ مُقَدَّرٌ وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِمَّا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا هُوَ الْكَرْبُ الَّذِي يَكُونُ لِلْمَوْتِ لَا الْمَوْتُ.
(حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ) بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ (زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (حَدَّثَنَا