فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 616

-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ (فَذَكَرْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ) أَيْ: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُهُ يَقَظَةً (فَقُلْتُ شَبَّهْتُهُ) أَيِ: الْمَرْئِيَّ (بِهِ) أَيْ: بِالْحَسَنِ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ) أَيِ: الْحَسَنُ (كَانَ يُشْبِهُهُ) أَيِ: النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ فِي الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَ أَيْ شَبَهُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ فِي الْمَقَامِ انْتَهَى.

وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا يَخْفَى عَلَى الْأَعْلَامِ فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ أَقْوَى فِي الْكَلَامِ، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ ضَمِيرَ إِنَّهُ رَاجِعًا إِلَى الْمَرْئِيِّ الَّذِي رُئِيَ فِي عَالَمِ الْمِثَالِ لَكِنْ يَرُدُّ هَذَا الْخَيَالَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ صَاحِبُ الْمَقَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.

وَمِمَّا يُبْطِلُهُ أَيْضًا أَنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ أَيْضًا وَلَفْظُهُ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقَالَ صِفْهُ لِي قَالَ فَذَكَرْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَشَبَّهْتُهُ بِهِ فَقَالَ قَدْرَأَيْتَهُ.

وَقَدْ وَرَدَ مُشَابَهَةُ الْحَسَنِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَحَادِيثَ فَيَكُونُ رُؤْيَا الرَّائِي صَحِيحَةً عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ وَعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّ الْحَسَنَ أَشْبَهَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ وَالْحُسَيْنَ أَشْبَهَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، هَذَا، وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِخَبَرِ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَإِنِّي أُرَى فِي كُلِّ صُورَةٍ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ مَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ يُوَفِّقُهُ عُمُومُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْإِطْلَاقُ، وَالتَّقْيِيدُ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَصِّصٍ بِالِاتِّفَاقِ، فَمَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْمَلُ عَلَى الْكَمَالِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا رُئِيَ بِوَصْفِهِ الْمَعْرُوفِ فَقَدْ رَأَى رُؤْيَةً مُحِقَّةً لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا رَآهُ عَلَى خِلَافِ نَعْتِهِ مِنْ كَوْنِهِ صَغِيرًا أَوْ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ أَخْضَرَ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرِ رُؤْيَاهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ رُؤْيَتَهُ بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ إِدْرَاكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَبِغَيْرِهَا إِدْرَاكٌ لِلْمِثَالِ فَإِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - لَا تُغَيِّرُهُمُ الْأَرْضُ فَإِدْرَاكُ الذَّاتِ الْكَرِيمَةِ حَقِيقَةٌ وَإِدْرَاكُ الصِّفَاتِ إِدْرَاكٌ لِلْمِثَالِ وَشَذَّ مَنْ قَالَ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ لَا حَقِيقَةَ لِلرُّؤْيَا أَصْلًا وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَسَيَرَانِي سَيَرَى تَفْسِيرَ مَا رَأَى؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَغَيْبٌ، وَقَوْلُهُ فَكَأَنَّمَا رَآنِي أَنَّهُ لَوْ رَآنِي يَقَظَةً لَطَابَقَ مَا رَآهُ نَوْمًا فَيَكُونُ الْأَوَّلُ حَقًّا وَحَقِيقَةً وَالثَّانِي حَقًّا وَتَمْثِيلًا هَذَا كُلُّهُ إِنْ رَآهُ بِصِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ وَإِلَّا فَهِيَ أَمْثَالٌ فَإِنْ رَآهُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ مَثَلًا فَهُوَ خَيْرٌ لِلرَّائِي وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ رُؤْيَاهُ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ حُسْنٌ فِي دِينِ الرَّائِي وَمَعَ شَيْنٍ أَوْ نَقْصٍ فِي بَعْضِ بَدَنِهِ خَلَلٌ فِي دِينِ الرَّائِي؛ لِأَنَّهُ كَالْمِرْآةِ الصَّيْقَلَةِ يَنْطَبِعُ فِيهَا مَا قَابَلَهُ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتُهُ عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ وَأَكْمَلِهِ وَهَذِهِ هِيَ الْفَائِدَةُ الْكُبْرَى فِي رُؤْيَتِهِ إِذْ بِهَا يُعْرَفُ حَالُ الرَّائِي، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَحْوَالُ الرَّائِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مُخْتَلِفَةٌ إِذْ هِيَ رُؤْيَا بَصِيرَةٍ، وَهِيَ لَا تَسْتَدْعِي حَصْرَ الْمَرْئِيِّ بَلْ يَرَى شَرْقًا وَغَرْبًا وَأَرْضًا وَسَمَاءً كَمَا تَرَى الصُّورَةَ فِي مِرْآةٍ قَابَلْتَهَا، وَلَيْسَ جِرْمُهَا مُنْتَقِلًا لِجِرْمِ الْمِرْآةِ فَاخْتِلَافُ رُؤْيَتِهِ كَأَنْ يَرَاهُ إِنْسَانٌ شَيْخًا وَآخَرُ شَابًّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَاخْتِلَافُ الصُّورَةِ الْوَاحِدَةِ فِي مَرَايَا مُخْتَلِفَةِ الْأَشْكَالِ وَالْمَقَادِيرِ فَيَكْبُرُ وَيَصْغُرُ وَيَعْوَجُّ وَيَطُولُ فِي الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْمُعْوَجَّةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت