لكن هناك مسلكا أنبل من ذلك وأرضى لله، وأدل على العظمة والمروءة. أن يبتلع غضبه فلا ينفجر، وأن يقبض يده فلا يقتص، وأن يجعل عفوه عن المسىء من شكر الله الذى أقدره على أن يأخذ بحقه إذا شاء . عن ابن عباس قال: لما قدم عُيينة بن حصن نزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس، وكان من النفر الذين يُدنيهم عمرو، إذ كان القراء أصحاب مجلس أمير المؤمنين عمر ومشاورته ، كهولا كانوا أو شبانا . فقال عُيينة: يا ابن أخي استأذن لى على أمير المؤمنين، فاستأذن له فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به . فقال الحُرُّ: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول لنبيه:"خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين"وإن هذا من الجاهلين: فوالله ما تجاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقافا عند كتاب الله وإنما غضب عمر لتطاول الأعرابى وهم بردعه، لأنه لم يدخل عليه ناصحا بخير أو طالبا لحق، وإنما دخل على حاكم في سلطانه ليشتمه دون مبرر وليسأله عطاء جزلا على غير عمل!! فلما ذكر بأن الرجل من الجهال أعرض عنه وتركه ينصرف سالما. وفى الحديث:"من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخبره في أى الحور شاء". وعن عبادة بن الصامت قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"ألا أنبئكم بما يشرف الله به البنيان ويرفع الدرجات؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: تحلم على من جهل عليك وتعفو عمن ظلمك . وتعطى من حرمك ، وتصل من قطعك". وقد عد القرآن الكريم هذه الشمائل الرقيقة طريق الفلاح التى تسرع بصاحبها إلى الجنات العلا: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) . ص _106