ومن قصص العفو التى لا مثيل لها بين الناس، عفو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن زعيم المنافقين عبد الله بن أبى، فإن عبد الله هذا كان عدّوا لدودا للمسلمين يتربص بهم الدوائر، ويحالف عليهم الشيطان ويحيك لهم المؤامرات، ولا يجد فرصة للطعن عليهم والنيل من نبيهم إلا انتهزها، وهو الذى أشاع قاله السوء عن أم المؤمنين عائشة، وجعل المرجفين يتهامسون بالإفك حولها، ويهزٌّون أركان المجتمع الإسلامى هزا بهذا الاتهام الدنىء، وتقاليد الشرق من قديم تجعل عرض المرأة في الذروة من القداسة، وتربط به كرامتها وكرامة أهلها الأبعدين والأقربين . ولذلك كان حز الألم قاسيا في نفس الرسول وأصحابه، وكانت الغضاضة من هذا التلفيق الجرىء تملأ نفوسهم كآبة وغما، حتى نزلت الآيات أخر الأمر تكشف مكر المنافقين وتفضح ما اجترحوا وتنوه بطهر أم المؤمنين ونقاء صفحتها: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امريء منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) . ولقد أقيم الحد على من كانوا مخالب القط في هذه المأساة، أما جرثومة الشر فإنه نجا.. ليستأنف كيده للمسلمين وسوق الأذى لهم ما استطاع !! وكتب الله الفوز لرسوله وجنده واكتسح الإسلام مخلفات القرون المخرفة، وانحصر أعداؤه في حدود أنفسهم، بل لقد دخلت عليهم من أقطارها وانكمش ابن أبى ثم مرض ومات، بعد ما ملأت رائحة نفاقه كل فج ، وجاء ولده إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يطلب منه الصفح عن أبيه فصفح ، ثم طلب منه أن يكفن في قميصه فمنحه إياه ، ثم طلب منه أن يصلى عليه ويستغفر له، فلم يرد له الرسول الرقيق العفو هذا السؤال، بل وقف أمام جثمان الطاعن في عرضه بالأمس يستدر له المغفرة . لكن العدالة العليا حسمت الأمر كله فنزل قوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا