الصفحة 123 من 209

فهو نبى تربى في حجور أنبياء، وتحدر من شجرة عريقة، وهو كريم على الله بالاجتباء والرسالة. فانظر إلى هذا الكريم كيف قضى مراحل حياته الأولى وهو يخرج من ضائقة ليدخل في أختها. فقد أمه وهو طفل، ثم تآمر عليه إخوته فاختطفوه من أحضان أبيه ورموا به في البئر، ليلقى في غيابتها مصيره المجهول. واستنقذه السيارة ليمتلكوه عبدا، ثم يبيعوه في سوق الرقيق بثمن بخس دراهم معدود. وابتاعه ملك مصر، فما إن آواه في القصر حتى تعرض للدسائس الماكرة، فاتهم وهو العفيف الحصن، بأنه يبغى السوء. ومع ظهور براءته فقد طرح في السجن مع الأشقياء لا أياما أو شهورا، بل بضع سنين !! ولو أن شخصا آخر نظر إلى ماضيه فوجده مثقلا بالآلام على هذا النحو لضاق بالأرض وتنكر للسماء، بيد أن يوسف الصديق بقى متألق اليقين وراء جدران السجن يذكر بالله من جهلوه، ويبصر بفضله من جحدوه . (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) . وذلك شأن أولى الفضل من الناس، لا يفقدون صفاء دينهم إن فقدوا صفاء دنياهم، ولا يهونون أمام أنفسهم لنكبة حلت بهم.. وإنك لترى شاعرا من الطامحين إلى أمجاد الدنيا يغالب الحرمان بالمغالاة في تفخيم نفسه فيقول مفتخرا بهمومه: أفاضل الناس أغراض لذا الزمن يخلو من الهم أخلاهم من الفطن وما رأيناه في سير الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يؤكد أن عظم المنزلة مع ثقل الأحمال ومعاناة الصعاب . وقد جاء عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ، ابتلاه الله في جسده أو ماله ، أو في ولده . ثم صبر على ذلك ، حتى يبلغه المنزلة التى سبقت له من الله عز وجل". ص _127

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت