الصفحة 135 من 209

(ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون) . والحق أن كفلا ضخما من تصدع الدولة الإسلامية يرجع إلى ضياع العفة وشيوع الملذات، وقد حذر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته من هذا الانحلال النفسى . فعن أبى برزة أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"إنما أخشى عليكم شهوات الغى في بطونكم وفروجكم ، ومضلات الهوى". إن الإسلام بدأ بين قوم فقراء، يحجزهم الإقلال عن إدراك المباحات فضلا عن التشبع من الطيبات وكانت حالة الشظف التى يعانونها مثار شكواهم . عن أبى هريرة:"رأيت سبعين من أهل الصفة ، ما منهم رجل عليه رداء ، إما إزار وإما كساء ، قد ربطوها في أعناقهم . فمنها ما يبلغ نصف الساقين ، ومنها ما يبلغ الكعبين ، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته". والفقر نكبة موجعة، ومن حق الناس أن يتخلصوا من هذا البلاء، والإسلام نفسه يجعل مباهج الدنيا من حق الذين آمنوا. وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخشى أن يكون هناك رد فعل لهذا الحرمان الشديد عندما يسود الإسلام وتنتشر مبادئه، فحذر من الحال الأخرى التى ستحدث بعد وفاته، فبين أنه إن كان فقد الدنيا شرا، فالافتنان بها والتطاحن عليها شر أشد . إن التوسط لب الفضيلة والتوسط هنا أن تملك الحياة لتسخرها في بلوع المثل العليا، لا أن تملكك الحياة فتسخرك لدناياها، ولا أن تحرم من الحياة أصلا فتقعد ملوما محسورا . وهذا ما عناه النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما قال:"والله ما الفقر أخشى عليكم. ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم ، كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم". وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة". ص _139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت