الصفحة 144 من 209

وقد وضع الإسلام قواعد الحجر الصحى، فإذا ظهر مرض مُعد في بلد ما، ضرب حوله حصارا شديدا، فمنع الدخول فيه والخروج منه، وذلك حتى تنكمش رقعة الداء في أضيق نطاق . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إذا سمعتم بالطاعون ظهر بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها". وقد واسى الإسلام سكان البلد الموبوء، وحبب إليهم المكث فيه فإن الرغبة في النجاة تزين للكثير أن يفر منه خلسة، وتلك الرغبة في إحراز السلامة الشخصية تعرض البلاد جملة لخطر جارف . ولهذا يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:". . . ما من عبد يكون في بلد فيه الطاعون ، فيمكث فيه لا يخرج ـ صابرا محتسبا ـ يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ، إلا كان له مثل أجر شهيد". وربما حاول بعض المغامرين أن يسافر إلى البلد الموبوء، وقد يحتج بأن الخوف من العدوى ضعف في اليقين، أو هروب من القضاء المحتوم. وهذا خطأ، فإن عمر بن الخطاب رفض السفر إلى الشام لما ظهر فيها من الطاعون فقيل له: تفر من قدر الله ؟ قال: نفر من قدر الله إلى قدر الله . إن الأخذ بالأسباب حق، وهو من القدر كما يقول عمر، وقد شرع الإسلام التحرز من العدوى . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا يوردن ممرض على مصح". وقال:"فر من المجذوم فرارك من الأسد". وإنه، وإن كانت العدوى حقا، إلا أننا يجب أن نعرف أنه ليست كل عدوى تصيب، فقد يحمل الشخص جرثومة المرض ولا يُصاب به، لأن فيه مناعة خاصة، بل قد ينجو منه وينقله إلى غيره !! ولو أن كل عدوى تصيب لهلك أهل الأرض في يوم واحد، فهناك ـ كما يقول الأطباء ـ ظروف معقدة للإصابة عن طريق العدوى. وهذا معنى الحديث:"لا عدوى..". وليس النفى منصبا على إنكار حقيقة العدوى، لأن آخر الحديث يمنع ذلك، وهو قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ذلك مباشرة:".. وفر من المجزوم فرارك من الأسد". * * * ص _148

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت