أكلها أو على أعراض لا يستحى من فضحها، أو على موعد لا يهمه أن يخلفه، أو على واجب لا يبالى أن يفرط فيه، أو على بضاعة لا يتنزه عن الغش فيها ؟. فإذا فقد الشخص حياءه وفقد أمانته أصبح وحشا كاسرا ينطلق معربدا وراء شهواته ويدوس في سبيلها أزكى العواطف، فهو يغتال أموال الفقراء غير شاعر نحوهم برقة، وينظر إلى آلام المنكوبين والمستضعفين فلا يهتز فؤاده بشفقة. إن أثرته الجامحة وضعت على عينيه غشاوة مظلمة، فهو لا يعرف إلا ما يغويه ويغريه بالمزيد.. ويوم يبلغ امرؤ هذا الحضيض فقد أفلت من قيود الدين وانخلع من ربقة الإسلام . وللحياء مواضع يستحب فيها، فالحياء في الكلام يتطلب من المسلم أن يطهر فمه من الفحش، وأن ينزه لسانه عن العيب، وأن يخجل من ذكر العورات، فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابئ بمواقعها وآثارها . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"الحياء من الإيمان والإيمان من الجنة. والبذاء من الجفاء والجفاء في النار". ومن الحياء في الكلام أن يقتصد المسلم في تحدثه بالمجالس، فإن بعض الناس لا يستحيون من امتلاك ناصية الحديث في الحافل الجامعة، فيملأون الأفئدة بالضجر من طول ما يتحدثون، وقد كره الإسلام هذا الصنف . قال رسول الله:"من تعلم صرف الكلام ليستبى به قلوب الرجال لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا". وقال:"إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذى يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة". وسر هذا البغض أن أخبار هؤلاء لا تخلو من التزيد، وأحوالهم لا تخلص من الرياء، واستئثارهم بالمجالس متنفس لعلل خلقية كان الحياء علاجها الشافى لو أنهم استمسكوا به ولذلك جاء في بعض الآثار أن العى أفضل من هذا الإفصاح، وهو عى اللسان لا عى القلب . ص _151