والعزة حق يقابله واجب، وليس يسوغ لامرئ أن يطالب بما له من حق حتى يؤدى ما عليه من واجب، فإذا كلفت بعمل ما فأديته على أصح وجوهه فلا سبيل لأحد عليك، ولا يستطيع من فوقك ولا من دونك مرتبه أن يعرض لك بلفظ محرج، وتستطيع أن تحتفظ بعزة نفسك أمام رؤسائك حين تسد الثغرات التى ينفذ منها إليك اللوم والتقريع. إن ألد أعدائك حينئذ يتهيبك . قال تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ، والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) . وارتكاب الآثام سبيل السقوط والإهانة، ومزلقة إلى خزى الفرد والجماعة . وقد بين الله أن الهزيمة في غزوة أحد سببها ما ارتكبه البعض من مخالفات . (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم) . فالإسلام عندما أوصى المسلم بالعزة هداه إلى أسبابها، ويسر له وسائلها، وأفهمه أن الكرامة في التقوى، وأن السمو في العبادة، وأن العزة في طاعة الله والمؤمن الذى يعلم ذلك ويعمل به يجب أن يأخذ نصيبه كاملا غير منقوص في الحياة الرفيعة المجيدة. فإذا اعتدى عليه أحد أو طمع فيه باغ كان انتصابه للدفاع عن نفسه جهادا في سبيل الله. وليس ذيادا عن الحق الشخصى فقط، بل إقرارا للحقوق العامة والمثل العالية . ومن ثم فإن موت المسلم دون حقه شهادة: جاء رجل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى ؟ قال: لا تعطه مالك ! قال: أرأيت إن قاتلنى ؟ قال: قاتله! قال: أرأيت إن قتلنى؟ قال: فأنت شهيد! قال أرأيت إن قتلته ؟ قال: هو في النار . ص _185