نعم: فمن عزة المؤمن ألا يكون مستباحا لكل طامع، أو غرضا لكل هاجم. بل عليه أن يستميت دون نفسه وعرضه. وماله وأهله. وإن أريقت في ذلك دماء"فإن هذا رخيص لصيانة الشرف الرفيع . وإنما شرع الله الثأر من المظالم، إعزازا لجانب المهضوم وإيهانا لجانب العادى فعلق المسلم بحقوقه وملأ بها يديه، وأغراه أن يتشبث بها فلا ينزل عنها إلا عفوا كريما، أو سماحة تزيده عزا على عز . . وقد لقنه أولا دروس الإيمان وشرائع الكمال، ووقفه على نهج الفضل والرفعة بقوله: (وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون ، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) . بعد هذه التعاليم التى توفر لأصحابها العزة الكاملة، فرادى وجماعات قال: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ، وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) . فمن خلق المسلم أن يغفر إذا استغضبه من دونه، ومن خلقه كذلك أن يؤدب المجترئين عليه، حتى يفل حدهم ويكسر شوكتهم. وهو في هذه الحال مكلف أن يبرز قوته حتى يرهب المجرمين، وله وهو في هذا المكان العالى، أن يعفو، فإن عفو المقتدر، بعد أن تنتفى علائم الضعف، لون أخر من تأديب المجرمين وكرامة المؤمنين. فالخُلق الذى تضمنته الآيات الأخيرة، يغير الخلق الذى تضمنته الآيات الأولى. الأولى تعنى التجاوز عن هفوات العاثرين. (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) . أما الأخرى فتقدم الجانى إلى القضاء، وتصدر عليه العقاب، وتمكن سيف القصاص من عنقه. حتى إذا انكسرت سطوته واختفت جرأته، جاء الفضل، بعد استطالة العدل! فكان زيادة في انقماع المستخفين وزيادة في عزة المسلم . * * * ولما كان في النفس الإنسانية شىء من الضعف أو القلق، ربا حملها على الخنوع لمن يملك الفصل في أمورها وقضاء مطالبها، وربما انزلق بها إلى مواقف تجافى"