الصفحة 19 من 209

إن وظيفة العين أن تبصر، ما لم يلحقها عمى، ووظيفة الأذن أن تسمع، ما لم يُصبها صمم، ووظيفة الفطرة أن تستقيم مع الحق، وتتدفع إليه تدفع الماء من صبب، ذلك ما لم يطرأ عليها تشويه يلوى عنانها ويثنيها عن وجهتها الأولى إلى الكمال والخير والفضيلة. وهذه الطوارئ المفسدة للفطرة، قد تتكون من رواسب القرون الماضية، أو من تقاليد البيئات الساقطة، أو من كليهما معا، وهى شديدة الخطر فيما تجره على الفطرة البشرية من علل، وجهاد المصلحين الحقيقى يقوم على كفاحها وكسر حدتها، وإنقاذ الفطرة من غوائلها، حتى تعود إلى صفائها الأصيل وتؤدى وظيفتها الحقة، وقد شرح الإسلام طريق ذلك. فبعد أن تقرأ في كتاب الله الآية السابقة، في أن الدين هو الفطرة، تقرأ قوله تعالى: (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون) . الإيمان لا الإلحاد، والتقوى لا الفجور، ووحدة المتدينين على ربهم لا تفرقهم فيه.. هذه النصائح هى باب العود بالإنسان إلى فطرته المستقيمة. وقد كرر القرآن الكريم هذا المعنى في قوله: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات) . ذلك التقويم الحسن، هو معرفة الحق والاستمساك به، والسير على مقتضاه، هو الولوع بالفضل والنبل، ورعايتهما في منطق المرء مع نفسه ومع الناس، وهو نشدان الكمال في نسقه العالى، وتغليبه على كل شىء في الحياة. بيد أن كثيرا من الناس، تثقل بهم أهواؤهم دون هذا المستوى العالى، فيخلدون إلى الأرض، ثم تجمع بهم أهواؤهم المتبعة، فينحدرون إلى مكان سحيق، وذلك هو أسفل سافلين، الذى يردهم الله إليه. هذا الرد الإلهى، خاضع لقوانين الهداية والإضلال، وهى قوانين عادلة دقيقة، ذكرها القرآن الكريم في قوله: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم) . ص _023

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت