الصفحة 192 من 209

وفى رواية: أن رجلا جاءه يشكو قسوة قلبه فقال له:"أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ؟ ارحم اليتيم ، وامسح رأسه ، وأطعمه من طعامك ، يلن قلبك وتدرك حاجتك". وذلك أن القلب يتبلد في المجتمعات التى تضج بالمرح الدائم، والتى تصبح وتمسى وهى لا ترى من الحياة غير آفاقها الزاهرة، ونعمها الباهرة، والمترفون إنما يتنكرون لآلام الجماهير، لأن الملذات التى تُيسر لهم تغلف أفئدتهم وتطمس بصائرهم، فلا تجعلهم يشعرون بحاجة المحتاج وألم المتألم وحزن المحزون والناس إنما يرزقون الأفئدة النبيلة والمشاعر المرهفة، عندما ينقلبون في أحوال الحياة المختلفة ويبلون مس السراء والضراء . . عندئذ يحسون بالوحشة مع اليتيم، وبالفقدان مع الثكلى، وبالتعبة مع البائس الفقير . * * * وتجمل الرحمة مع المرضى وذوى العاهات: فإن أولئك المصابين يستقبلون الحياة بوسائل منقوصة تعجزهم عن المسير فيها وإدراك لبانتهم منها وقد عذرهم الله عز وجل فلا يجوز أن تؤاخذهم بما أعفاهم الله منه: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما) . والمريض شخص قيدته العلة ونغصه حر الداء ومر الدواء، وهو في صبره على أوجاعه قريب من الله حقيق برحمته، وإذا كان مس الشوكة يكفر من سيئات المؤمن فما بالك بمن برحت به الأوصاب وأذاقته أشد العذاب ؟ إن ذلك يجعله بعين الله ! ولذلك يجب أن نحاذر من الإساءة إلى المرضى، والاستهانة براحتهم، فإن القسوة معهم جُرمٌ غليظ . * * * ومن مواطن الرحمة أن نُحسن معاملة الخدم، وأن نرفق معهم فيما نكلفهم من أعمال وأن نتجاوز عن هفواتهم، وألا نحس سطوة التصرف فيهم فنبعث بتسخيرهم، فإن الله إذا ملك أحدا شيئا فاستبد به وأساء، سلبه ما ملك وأعد له سوء المنقلب . عن أبى مسعود البدرى: كنت أضرب غلاما لى بالسوط ، فسمعت صوتا من خلفى: اعلم أبا مسعود . لم أفهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت